فَإِن الْجِهَة إِمَّا فَوق وَإِمَّا أَسْفَل وَأما يَمِين وَإِمَّا شمال أَو قُدَّام أَو خلف وَهَذِه الْجِهَات هُوَ الَّذِي خلقهَا وأحدثها بِوَاسِطَة خلق الْإِنْسَان إِذْ خلق لَهُ طرفين أَحدهمَا يعْتَمد على الأَرْض وَيُسمى رجلا وَالْآخر يُقَابله وَيُسمى رَأْسا فَحدث اسْم الفوق لما يَلِي جِهَة الرَّأْس وَاسم السّفل لما يَلِي
جِهَة الرجل حَتَّى إِن النملة الَّتِي تدب منكسة تَحت السّقف تنْقَلب جِهَة الفوق فِي حَقّهَا تحتاً وَإِن كَانَ فِي حَقنا فوقاً وَخلق للْإنْسَان الْيَدَيْنِ وإحداهما أقوى من الْأُخْرَى فِي الْغَالِب فَحدث اسْم الْيَمين للأقوى وَاسم الشمَال لما يُقَابله وَتسَمى الْجِهَة الَّتِي تلِي الْيَمين يَمِينا وَالْأُخْرَى شمالاً وَخلق لَهُ جانبين يبصر من أَحدهمَا ويتحرك إِلَيْهِ فَحدث اسْم القدام للجهة الَّتِي يتَقَدَّم إِلَيْهَا بالحركة وَاسم الْخلف لما يقابلها فالجهات حَادِثَة بحدوث الْإِنْسَان وَلَو لم يخلق الْإِنْسَان بِهَذِهِ الْخلقَة بل خلق مستديراً كالكرة لم يكن لهَذِهِ الْجِهَات وجود ألبته فَكيف كَانَ فِي الْأَزَل مُخْتَصًّا بِجِهَة والجهة حَادِثَة أَو كَيفَ صَار مُخْتَصًّا بِجِهَة بعد أَن لم يكن لَهُ أبأن خلق الْعَالم فَوْقه وَتَعَالَى عَن أَن يكون لَهُ فَوق إِذْ تَعَالَى أَن يكون لَهُ رَأس والفوق عبارَة عَمَّا يكون جِهَة الرَّأْس أَو خلق الْعَالم تَحْتَهُ فتعالى عَن أَن يكون لَهُ تَحت إِذْ تَعَالَى عَن أَن يكون لَهُ رجل والتحت عبارَة عَمَّا يَلِي الرجل وكل ذَلِك مِمَّا يَسْتَحِيل فِي الْعقل وَلِأَن الْمَعْقُول من
كَونه مُخْتَصًّا بِجِهَة أَن مُخْتَصّ بحيز اخْتِصَاص الْجَوَاهِر أَو مُخْتَصّ بالجواهر اخْتِصَاص الْعرض وَقد ظهر اسْتِحَالَة كَونه جوهراً أَو عرضا فاستحال كَونه مُخْتَصًّا بالجهة وَإِن أُرِيد بالجهة غير هذَيْن الْمَعْنيين كَانَ غَلطا فِي الِاسْم مَعَ المساعدة على الْمَعْنى وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ فَوق الْعَالم لَكَانَ محاذياً لَهُ وكل محاذ لجسم فإمَّا أَن يكون مثله أَو أَصْغَر أَو أكبر وكل ذَلِك تَقْدِير محوج بِالضَّرُورَةِ إِلَى مُقَدّر ويتعالى عَنهُ الْخَالِق الْوَاحِد الْمُدبر
فَأَما رفع الْأَيْدِي عِنْد السُّؤَال إِلَى جِهَة السَّمَاء فَهُوَ لِأَنَّهَا قبْلَة الدُّعَاء وَفِيه أَيْضا إِشَارَة إِلَى مَا هُوَ وصف للمدعو من الْجلَال والكبرياء وتنبيها بِقصد جِهَة الْعُلُوّ على صفة الْمجد والْعَلَاء فَإِنَّهُ تَعَالَى فَوق كل مَوْجُود بالقهر والاستيلاء