زاوية العلوم نسخة تجريبية
كفاية الأخيار في حل غاية الإختصار › كتاب العتق

باب أحكام أم الولد

بَاب أَحْكَام أم الْوَلَد فصل وَإِذا أصَاب السَّيِّد أمته فَوضعت مِنْهُ مَا تبين فِيهِ شَيْء من خلق آدَمِيّ حرم عَلَيْهِ بيعهَا وهبتها وَجَاز لَهُ التَّصَرُّف فِيهَا بالاستخدام وَالْوَطْء

إِذا وطئ الْحر أمته فحبلت مِنْهُ انْعَقَد وَلَده حرا وَتصير الْأمة بِالْولادَةِ مُسْتَوْلدَة تعْتق بِمَوْت

السَّيِّد وَيقدم عتقهَا على الدُّيُون كَمَا سَيَأْتِي وكما يثبت الِاسْتِيلَاد بِوَضْع الْوَلَد التَّام كَذَلِك يثبت بإلقائه مُضْغَة ظهر فِيهَا خلقَة الْآدَمِيّ إِمَّا لكل أحد أَو للقوابل وَأهل الْخِبْرَة من النِّسَاء فَإِن لم تظهر وقلن هُوَ أصل آدَمِيّ وَلَو بَقِي لتصور فَهَل يثبت الِاسْتِيلَاد فِيهِ خلاف قيل يثبت كَمَا تَنْقَضِي بِهِ الْعدة وَالْمذهب أَنه لَا يثبت أُميَّة الْوَلَد وَإِن انْقَضتْ بِهِ الْعدة وَقد مر الْفرق فِي الْعدَد وَاحْتج لأمة الْوَلَد وحريته بِحَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ لما ولدت مَارِيَة أم إِبْرَاهِيم قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعْتقهَا وَلَدهَا وَبِقَوْلِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أَشْرَاط السَّاعَة أَن تَلد الْأمة ربتها أَي سيدتها فَأَقَامَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الْوَلَد مقَام أَبِيه وَالْأَب حر فَكَذَا الْوَلَد وَلَا وَلَاء عَلَيْهِ لأحد لِأَن مَانع الرّقّ قَارن سَبَب الْملك فرفعه بِخِلَاف مَا لَو اشْترى زَوجته الْحَامِل مِنْهُ فَإِن الْوَلَد يعْتق عَلَيْهِ وَوَلَاؤُهُ لَهُ وَإِذا ثَبت حريَّة الْوَلَد وَأُميَّة أمه ثَبت لَهَا حق الْحُرِّيَّة وَحرم بيعهَا وهبتها ورهنها وَالْوَصِيَّة بهَا لحَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَقَالَ لَا يبعن وَلَا يوهبن وَلَا يورثن ليستمتع بهَا سَيِّدهَا مَا دَامَ حَيا فَإِذا مَاتَ فَهِيَ حرَّة

فَإِن قلت فَفِي حَدِيث جَابر رَضِي الله عَنهُ كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد فِي عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا نرى بذلك بَأْسا وَورد من حَدِيث جَابر بعنا أُمَّهَات الْأَوْلَاد على عهد رَسُول الله وَأبي بكر رَضِي الله عَنهُ فَلَمَّا كَانَ عمر رَضِي الله عَنهُ نَهَانَا فَانْتَهَيْنَا وَأجِيب على تَسْلِيم صِحَة ذَلِك أَن هَذَا الْفِعْل مِنْهُم فِي زَمَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَهُوَ لَا يشْعر لِأَن هَذَا الْأَمر نَادِر وَيحْتَمل أَنه كَانَ مُبَاحا ثمَّ نهى عَنهُ وَلم يعلم بذلك الصّديق رَضِي الله عَنهُ وَمثل هَذَا يَعْنِي عدم الْعلم كثير وَقد وَقع لعمر رَضِي الله عَنهُ وَغَيره وَلِهَذَا كَانَ الصّديق وَغَيره إِذا وَقعت لَهُ الْوَاقِعَة وَلم يعلم فِيهَا شَيْئا سَأَلَ وَيجوز للسَّيِّد استخدامها إِجَارَتهَا ووطؤها للْحَدِيث وَفِي تَزْوِيجهَا أَقْوَال أَصَحهَا أَنه يجوز أَيْضا لِأَنَّهُ يملك رقبَتهَا ومنافعها حَتَّى الْوَطْء فَملك تَزْوِيجهَا بِرِضَاهَا وبدونه كالمدبرة وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي الْجَدِيد وَالله أعلم قَالَ

(وَإِذا مَاتَ السَّيِّد عتقت من رَأس مَاله قبل الدُّيُون والوصايا)

أما إعْتَاقهَا فَلَمَّا مر من الْأَخْبَار وَلِأَن الْوَلَد انْعَقَد حرا وَبَعضه مِنْهَا فقد صَار بَعْضهَا حرا فاستتبع بَاقِيهَا كَالْعِتْقِ إِلَّا أَن فِي الْعتْق قُوَّة فاستتبع فِي الْحَال وَهَذَا ضَعِيف فأثر فِي الْمُسْتَقْبل وَأما كَونهَا من رَأس المَال فَلِأَنَّهُ إِتْلَاف حصل بالاستمتاع فَأشبه الْإِتْلَاف بِالْأَكْلِ واللبس وبالقياس على من تزَوجهَا فِي مرض الْمَوْت وَقيل لَا تعْتق بِمَوْت السَّيِّد وخطب عَليّ رَضِي الله عَنهُ فِي الْكُوفَة فَقَالَ أجمع رَأْيِي ورأي عمر رَضِي الله عَنهُ على أَن لَا تبَاع أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَأَنا الْآن أرى بيعهنَّ فَقَالَ لَهُ عُبَيْدَة السَّلمَانِي رَأْيك مَعَ الْجَمَاعَة أحب ألينا من رَأْيك فِي الْفرْقَة فَأَطْرَقَ عَليّ ثمَّ قَالَ اقضوا مَا أَنْتُم قاضون فَإِنِّي أكره أَن أُخَالِف أَصْحَابِي

وَلِهَذَا اخْتلف الْأَصْحَاب هَل رَجَعَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ أم لَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي أصل الرَّوْضَة فَإِن قُلْنَا بِالْمذهبِ أَنه لَا يجوز بيعهَا فَقضى بِجَوَازِهِ ٢ قَاض حكى الرَّوْيَانِيّ عَن الْأَصْحَاب أَنه ينْقض قَضَاؤُهُ وَمَا كَانَ فِيهِ خلاف بَين الْفرق الأول فقد انْقَطع وَصَارَ مجمعا على مَنعه وَنقل الإِمَام فِيهِ وَجْهَيْن انْتهى وَمُقْتَضَاهُ رُجْحَان النَّقْص قَالَ الرَّافِعِيّ وللأصوليين خلاف فِي أَنه هَل يشْتَرط لحُصُول الْإِجْمَاع انْقِرَاض الْعَصْر ولأصحابنا وَجْهَان فِيمَا إِذا اخْتلفت الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فِي مَسْأَلَة ثمَّ أجمع التابعون على أحد الْقَوْلَيْنِ هَل يرْتَفع بِهِ الْخلاف الأول قَالَ النَّوَوِيّ الْأَصَح أَنه إِجْمَاع وَقَالَ الْغَزالِيّ وَابْن برهَان إِنَّه مَذْهَب الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ ميل الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ إِلَيْهِ وَمن عِبَارَته الرشيقة فِي ذَلِك أَن الْمذَاهب لَا تَمُوت بِمَوْت أَصْحَابهَا وَالله أعلم قَالَ

(وَوَلدهَا من غَيره بمنزلتها)

أَوْلَاد الْمُسْتَوْلدَة إِن كَانُوا من السَّيِّد فَلَا خلاف فِي حريتهم وَإِن حدثوا من نِكَاح أَو زنا فَلم حكم الْأُم لِأَن الْوَلَد يتبع الْأُم فِي الْحُرِّيَّة فَكَذَا فِي حق الْحُرِّيَّة فَلَيْسَ للسَّيِّد بيعهم ويعتقون بِمَوْتِهِ وَإِن كَانَت الْأُم قد ٢ مَاتَت فِي حَيَاة السَّيِّد وَلَو أعتق السَّيِّد الْأُم لَا يعْتق الْوَلَد وَكَذَا حكم الْعَكْس كَمَا فِي التَّدْبِير بِخِلَاف مَا لَو أعتق الْمُكَاتبَة بِعِتْق وَلَدهَا وَالْفرق أَن التّبعِيَّة فِي أم الْوَلَد والمدبرة إِنَّمَا هِيَ بسراية التَّدْبِير وَأُميَّة الْوَلَد وَالصّفة موت السَّيِّد وَلَا كَذَلِك الْكِتَابَة وَلَو ولدت الْمُسْتَوْلدَة من وَطْء شُبْهَة فَإِن كَانَ الْوَاطِئ يعْتَقد أَنَّهَا زَوجته الْأمة فَالْوَلَد رَقِيق للسَّيِّد كالأم وَهُوَ كَمَا لَو أَتَت بِهِ من نِكَاح أَو زنا وَإِن كَانَ يعتقدها زوجه الحره أَو أمته الحره انْعَقَد الْوَلَد حرا وَعَلِيهِ قِيمَته للسَّيِّد وَأما الْأَوْلَاد الحاصلون قبل الاستياد بِنِكَاح أَو زنا فَلَيْسَ لَهُم حكم الْأُم بعد الِاسْتِيلَاد بل للسَّيِّد بيعهم إِذا ولدُوا فِي ملكه وَلَا يَعْتَقِدُونَ بِمَوْتِهِ لأَنهم حدثوا قبل ثُبُوت الْحُرِّيَّة للْأُم وَالله أعلم قَالَ

(وَمن أصَاب أمة غَيره فِي نِكَاح فولده مِنْهَا مَمْلُوك لسَيِّدهَا)

إِذا أولد شخص جَارِيَة أَجْنَبِي بِنِكَاح أَو زنا فَالْوَلَد مَمْلُوك لصَاحب الْجَارِيَة لِأَنَّهُ يتبع الْأُم فِي

الرّقّ كَمَا يتبعهَا فِي الْحُرِّيَّة قَالَ

(وَإِن أَصَابَهَا بِشُبْهَة فولده مِنْهَا حر وَعَلِيهِ قِيمَته لسَيِّده فَإِن ملك الْأمة بعد ذَلِك لم تصر أم ولد لَهُ بِالْوَطْءِ فِي النِّكَاح وَصَارَت أم ولد لَهُ بِالْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ)

إِذا وطئ الشَّخْص أمة الْغَيْر ظَانّا أَنَّهَا زَوجته الْحرَّة أَو أمته أَو أم وَلَده فَالْوَلَد حر نظرا إِلَى ظَنّه وَعَلِيهِ قِيمَته للسَّيِّد لِأَنَّهُ فَوت رقّه بظنه وَلَا تصير الْأمة أم ولد فِي الْحَال لعدم ملكه لَهَا فَإِن ملكهَا بعد ذَلِك فَهَل تصير أم ولد لَهُ قَولَانِ

أَحدهمَا نعم تصير أم ولد لَهُ لِأَن الْعلُوق بِالْحرِّ فِي الْملك بِسَبَب الْحُرِّيَّة بعد الْمَوْت كَمَا أَن الْقَرَابَة عِنْد الْملك بِسَبَب الْعتْق فِي الْحَال فَلَمَّا كَانَ الْملك إِذا طَرَأَ على الْقَرَابَة حصل الْعتْق فِي الْحَال فَكَذَا إِذا طَرَأَ بعد انْعِقَاد الْوَلَد حرا يحصل بعد الْمَوْت

وَالثَّانِي لَا تصير وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَهُوَ مَا جزم بِهِ الشَّيْخ لِأَنَّهَا علقت مِنْهُ فِي غير ملكه فَأشبه مَا لَو علقت بِهِ فِي نِكَاح وَكَذَا لَو غر بحريّة أمة فنكحها فَإِن وَلَده مِنْهَا حر وَفِي صيرورتها أم ولد لَهُ إِذا ملكهَا هَذَانِ الْقَوْلَانِ وَقَول الشَّيْخ وَصَارَت أم ولد لَهُ بِالْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ هَذَا قَول مَرْجُوح وعلته مَا قدمنَا أَن حريَّة الْوَلَد سَبَب لأمية الْأُم عِنْد الْملك وَالْمذهب أَنَّهَا لَا تصير لِأَنَّهَا علقت فِي غير ملك الْيَمين وأعدنا التَّعْلِيل للإيضاح

فنسأل الله الْعَزِيز الْقَدِير أَن يرشدنا إِلَى طرق النجاح والفلاح إِنَّه سُبْحَانَهُ فالق الْحبّ والإصباح وَقد كَانَ فِي النَّفس من الزِّيَادَة على مَا مر ولاح إِلَّا أنني عارضني فِي ذَلِك عدُول النَّفس عَن طلب الْعلم وتسريحها فِي رياض الارتياح فضربنا صفحاً عَن التَّطْوِيل والمغالاة ونادينا بِلِسَان الْحَال هلموا إِلَى هَذَا اللقحة فَإِن السماح رَبَاح وَالْحَمْد لله على مَا يسر من تَعْلِيق هَذِه الأحرف حمداً لَا يَنْقَطِع عِنْد الْمسَاء والصباح وصل الله عَليّ سيد الْأَوَّلين والآخرين وقائد الغر المحجلين رَسُول رب الْعَالمين مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَشرف وكرم وعَلى جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وعَلى كل الْمَلَائِكَة والمقربين وعَلى جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وعَلى آل كل وَسَائِر الصَّالِحين وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم

قَالَ مُؤَلفه نفع الله بِهِ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين فرغت مِنْهُ يَوْم الْجُمُعَة فِي الْعشْر الأول من شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَمَانمِائَة وَكَانَ ذَلِك بِالْمَدْرَسَةِ الصالحية بالقدس الشريف زَاده الله شرفا وكرامة إِنَّه على مَا يَشَاء قدير وبالإجابة جدير غفر الله لنا وَلمن أحبنا وَلمن قَرَأَ فِي كتَابنَا هَذَا ودعا لنا بالمغفرة وللمسلمين آمين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين