بَاب الْكِتَابَة فصل وَالْكِتَابَة مُسْتَحبَّة إِذا سَأَلَهَا العَبْد وَكَانَ مَأْمُونا مكتسباً
الْكِتَابَة تَعْلِيق عتق بِصفة ضمنت مُعَاوضَة وَهِي معدولة عَن الْقيَاس لِأَنَّهَا بيع مَاله بِمَالِه أَدَاء وَهِي مُشْتَقَّة من الْكتب وَهُوَ الضَّم لِأَن فِيهَا ضم نجم إِلَى نجم والنجم الْوَقْت الَّذِي يحل فِيهِ مَال الْكِتَابَة وَسميت بِهِ لِأَن الْعَرَب مَا كَانَت تعرف الْحساب وَالْكِتَابَة وَإِنَّمَا تعرف الْأَوْقَات بالنجوم وَهِي ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ نجماً منَازِل الْقَمَر فَيَقُول أَعطيتك إِذا طلع نجم كَذَا أَو سقط نجم كَذَا فسميت باسمها مجَازًا وَقد يُطلق النَّجْم على المَال الَّذِي يحل فِي الْوَقْت وَقَالَ الرَّوْيَانِيّ الْكِتَابَة إسلامية ثمَّ الْكِتَابَة مُسْتَحبَّة إِذا طلبَهَا العَبْد بِشَرْطَيْنِ أَن يكون أَمينا قَادِرًا على الْكسْب وَاحْتج
لذَلِك بقوله تَعَالَى {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ المُرَاد بِالْخَيرِ الِاكْتِسَاب وَالْأَمَانَة فَإِن الْخَيْر ورد بِمَعْنى المَال فِي قَوْله تَعَالَى {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} وَبِمَعْنى الْعَمَل الصَّالح فِي قَوْله تَعَالَى {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} فَحمل هُنَا عَلَيْهِمَا لجَوَاز إرادتهما لتوقف الْمَقْصُود عَلَيْهِمَا لِأَن غير المكتسب عَاجز عَن الْأَدَاء وَغير الْأمين لَا يوثق بوفائه وَفِي قَول تجب الْكِتَابَة لظَاهِر الْآيَة وَالْمَشْهُور الَّذِي قطع بِهِ الجماهير لَا تجب لِأَنَّهَا بيع مَال السَّيِّد بِمَالِه وَهُوَ حرَام لِأَنَّهُ سفه وَلِأَنَّهُ عتق بعوض فَلَا يلْزم السَّيِّد كالاستسعاء فَإِذن الْآيَة مَحْمُولَة على النّدب وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا تصح إِلَّا بِمَال مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم وَأقله نجمان)
أما شَرط كَون المَال مَعْلُوما فَلِأَن الْجَهَالَة بِهِ غرر وَيُؤَدِّي إِلَى النزاع وَكِلَاهُمَا مَنْهِيّ عَنهُ وَكَذَلِكَ يشْتَرط الْعلم بِالْمحل كَمَا ذكرنَا وَأما اشْتِرَاط النجمين فَإِنَّهُ لَا يجوز على أقل مِنْهُمَا فَلفظ الْكِتَابَة يَبْنِي على ذَلِك إِذْ لَا ضم إِلَّا بَين اثْنَيْنِ فَصَاعِدا وَاحْتج لَهُ أَيْضا بِفعل الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم كَمَا قَالَه الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي الْبُوَيْطِيّ وَقَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ عَنى الْكِتَابَة على نجمين والإيفاء من الثَّانِي وَهَذَا يَقْتَضِي أَن أقل مَا يجوز نجمان لِأَن مَا فَوْقهمَا يجوز للْإِجْمَاع وأصرح من ذَلِك فِي الدّلَالَة قَول عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ لعَبْدِهِ لما غضب عَلَيْهِ لأكاتبنك على نجمين فَلَو جَازَ على ذَلِك فِي الدّلَالَة قَول عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ لعَبْدِهِ لما غضب عَلَيْهِ لأكاتبنك على نجمين فَلَو جَازَ على أقل لفعله لِأَنَّهُ أَزِيد فِي الْعقُوبَة وَلم ينْقل عَن أحد من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم أَنه كَاتب على أقل مِنْهُمَا فَلَو جَازَ لابتدروا إِلَيْهِ تعجيلاً للقربة وَقد رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ الْكِتَابَة على نجمين وَهَذَا نَص عَلَيْهِ إِن صَحَّ وَإِلَّا فَفِي مَا مر كِفَايَة وَالله ولي الْهِدَايَة قَالَ
(وَهِي لَازِمَة من جِهَة السَّيِّد وَمن جِهَة العَبْد جَائِزَة وَله تعجيز نَفسه وفسخها مَتى شَاءَ)
الْعُقُود مِنْهَا مَا هُوَ لَازم من الطَّرفَيْنِ كَالْبيع وَنَحْوه وَمِنْهَا مَا هُوَ جَائِز مِنْهُمَا كالقراض وَنَحْوه وَمِنْهَا مَا هُوَ لَازم من أحد الطَّرفَيْنِ دون الآخر وَمن ذَلِك الْكِتَابَة وَهِي جَائِزَة من جِهَة العَبْد فَلهُ فَسخهَا مَتى شَاءَ لِأَن عقد الْكِتَابَة لَحْظَة فَأشبه الْمُرْتَهن وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب وَقيل لَيْسَ لَهُ الْفَسْخ إِذْ لَا ضَرَر عَلَيْهِ فِي بَقَائِهَا قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ قَوْلهم لَا ضَرَر عَلَيْهِ مَمْنُوع فَإِنَّهُ قد يتَضَرَّر بِكَوْن النَّفَقَة على نَفسه فيستفيد بِالْفَسْخِ رَفعهَا عَنهُ وَأما من جِهَة السَّيِّد فَهِيَ لَازِمَة فَلَيْسَ لَهُ فَسخهَا لِأَن الْكِتَابَة عقدت
لحظ الْمكَاتب لَا لحظ السَّيِّد فَكَانَ السَّيِّد فِيهَا كالراهن وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ لَهُ الْفَسْخ لم يَثِق الْمكَاتب بِبَقَائِهِ على الْكِتَابَة فيتكاسل فِي التَّحْصِيل نعم إِن عجز الْمكَاتب عَن الْأَدَاء عِنْد الْمحل فللسيد فَسخهَا كَمَا يفْسخ البَائِع البيع بعجز المُشْتَرِي عَن الثّمن وَلَو لم يعجز وَلَكِن امْتنع الْمكَاتب عَن الْأَدَاء فللسيد الْفَسْخ أَيْضا وَخَالف عقد الْكِتَابَة البيع فَإِنَّهُ لَازم من جِهَة المُشْتَرِي فَيجْبر المُشْتَرِي على الْأَدَاء فيندفع الضَّرَر بِخِلَاف الْكِتَابَة فَإِنَّهَا جَائِزَة من جِهَة الْمكَاتب فَلَا إِجْبَار وَالْخيَار فِي هَذَا على التَّرَاخِي فَلَو صرح بالإمهال ثمَّ عَن لَهُ الْفَسْخ جَازَ وَالله أعلم قَالَ
(وعَلى الْمكَاتب التَّصَرُّف بِمَا فِيهِ تنمية المَال)
الْمكَاتب يملك بِعقد الْكِتَابَة مَنَافِعه وأكسابه إِلَّا أَنه مَحْجُور عَلَيْهِ فِي استهلاكها بِغَيْر حق لحق السَّيِّد فَلهُ البيع وَالشِّرَاء والاستئجار وَنَحْوهَا لَكِن على وَجه الْغِبْطَة فَلَا يحابى وَلَا يهب وَلَا يرْهن بِلَا ضَرُورَة وَلَا ينْفق على أَقَاربه لِأَنَّهُ كالمعسر بِدَلِيل عدم نُفُوذ تبرعاته وَلَا يَبِيع بنسيئة أَي بِأَجل وَإِن ربح أَضْعَاف الثّمن وَأخذ رهنا أَو كَفِيلا وَقيل يجوز كولي الْمَحْجُور عَلَيْهِ فِي الارتهان وَالأَصَح الْمَنْصُوص الأول فَلَو أذن لَهُ السَّيِّد فِي شَيْء من ذَلِك فَهَل يجوز قَولَانِ
أَحدهمَا لَا يجوز لِأَن الْمكَاتب نَاقص الْملك وَالسَّيِّد لَا يملك مَا فِي يَده فَلَا يَصح باتفاقهما وَلِأَن لله تَعَالَى حَقًا فِي ذَلِك فَلَا يفوت بِرِضا السَّيِّد
وَالثَّانِي يَصح وَهُوَ الْأَصَح لِأَن الْمَنْع إِنَّمَا كَانَ لحقه فَزَالَ بِإِذْنِهِ كالمرتهن وَهَذَا فِيمَا عدا الْعتْق أما الْعتْق فَإِن أعتق الْمكَاتب عَن نَفسه فَالْمَذْهَب فِي الرَّوْضَة تبعا للرافعي أَنه لَا ينفذ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْوَلَاء وَالْمكَاتب لَيْسَ أَهلا لَهُ وَقيل ينفذ وَهُوَ مُقْتَضى مَا فِي تَصْحِيح التَّنْبِيه فَإِن أعتق عَن السَّيِّد أَو عَن أَجْنَبِي فَقَوْلَانِ أَيْضا وَالصَّحِيح النّفُوذ وَالله أعلم قَالَ
(وعَلى السَّيِّد أَن يضع عَنهُ من مَال الْكِتَابَة مَا يَسْتَعِين بِهِ وَلَا يعْتق إِلَّا بأَدَاء جَمِيع المَال بعد الْقدر الْمَوْضُوع عَنهُ)
يجب على السَّيِّد فِي الْكِتَابَة الصَّحِيحَة أَن يحط عَن الْمكَاتب بعض مَا عَلَيْهِ أَو يؤتيه شَيْئا من عِنْده يَسْتَعِين بِهِ على الْأَدَاء لقَوْله تَعَالَى {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} فَظَاهره الْوُجُوب وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} قَالَ ربع الْكِتَابَة وَرُوِيَ عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا فِي الْآيَة ضَعُوا عَنْهُم من مكاتبتهم فَلَو لم
يحط السَّيِّد عَنهُ شَيْئا وَجب عَلَيْهِ أَن يؤتيه مَالا من عِنْده والحط هُوَ الأَصْل والإيتاء بدل عَنهُ هَذَا هُوَ الْأَصَح الْمَنْصُوص وَقيل الإيتاء هُوَ الأَصْل فيعطيه إِذا أعْتقهُ شَيْئا ليهيئ بِهِ أَمر نَفسه والحط لَا يقوم مقَامه وَقيل يتَخَيَّر بَينهمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيّ فَلَو أَرَادَ السَّيِّد أَن يُعْطِيهِ وَأَرَادَ العَبْد الْحَط أُجِيب العَبْد لِأَنَّهُ يروم تَعْجِيل الْعتْق ثمَّ قيل وَقت الْوُجُوب بعد الْعتْق كالمتعة وَالأَصَح قبل الْعتْق ليستعين بِهِ على الْعتْق وخالفت الْمُتْعَة لِأَنَّهَا لجبر الْكسر وَهُوَ بعد الطَّلَاق وعَلى هَذَا مَحَله النَّجْم الْأَخير وَعبارَة الرَّوْضَة وعَلى هَذَا إِنَّمَا يتَعَيَّن النَّجْم الْأَخير وَعبارَة الْمِنْهَاج والنجم الْأَخير أليق وَعبارَة بَعضهم يجب إِذا بَقِي عَلَيْهِ قدر يجب دَفعه إِلَيْهِ
وَاعْلَم أَنه لَو حط أَو أدّى من حِين العقد أَجْزَأَ على الْأَصَح وَقيل إِنَّمَا يجوز بعد أَن يَأْخُذ شَيْئا لقَوْله تَعَالَى {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} وعَلى الصَّحِيح المُرَاد من قَوْله تَعَالَى {آتَاكُمْ} أَي أوجبه لكم على نَفسه بِالْعقدِ أَو يعود الضَّمِير على الله تَعَالَى وَفِي قدر الْوَاجِب وَجْهَان
أَحدهمَا يعْتَبر بِقدر مَال الْكِتَابَة فيؤتيه من الْكثير بِقَدرِهِ وَمن الْقَلِيل بِقَدرِهِ كالمتعة تكون بِقدر يسَاره وإعساره وأصحهما وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ يَكْفِي أقل مَا يتمول وَلَو حَبَّة لِأَن الله تَعَالَى لم يقدر شَيْئا بِخِلَاف الْمُتْعَة فَإِن الله تَعَالَى قدرهَا بِحَسب الْمُوسر والمعسر وَيسْتَحب حط الرّبع على الْأَصَح وَقيل الثُّلُث وَالْكِتَابَة الْفَاسِدَة لَا حط فِيهَا على الْأَصَح وَلَو قبض المَال كُله رد عَلَيْهِ بعضه لظَاهِر الْآيَة قَالَ بَعضهم والإيتاء يَقع على الْحَط وَالرَّفْع إِلَّا أَن الْحَط أولى لِأَنَّهُ أَنْفَع لَهُ وَبِه فسر الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم
وَاعْلَم أَنه لَا يعْتق الْمكَاتب وَلَا شَيْء مِنْهُ مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ من مُكَاتبَته دِرْهَم وَلِأَنَّهُ إِن غلب فِيهِ الْعتْق بِالصّفةِ فَلَا يعْتق قبل استكمالها وَإِن غلب معنى الْمُعَاوضَة فالمبيع لَا يجب تَسْلِيمه إِلَّا بِقَبض جَمِيع الثّمن وَكَذَلِكَ هَذَا وَالله أعلم قَالَ