(وَلَا يجوز أَن يَلِي الْقَضَاء إِلَّا من استكملت فِيهِ خمس عشرَة خصْلَة الاسلام وَالْبُلُوغ وَالْعقل وَالْحريَّة وَالْعَدَالَة والذكورة)
من لَا يصلح للْقَضَاء تحرم تَوليته وَيحرم عَلَيْهِ أَن يتَوَلَّى وَيحرم عَلَيْهِ أَن يَطْلُبهُ للْخَبَر الْمُتَقَدّم فَمن الصِّفَات الْمُعْتَبرَة لِلْإِسْلَامِ فَلَا تجوز تَوْلِيَة الْقَضَاء للْكَافِرِ لَا على الْمُسلمين وَلَا على غَيرهم لِأَنَّهُ ولَايَة السَّبِيل وَهُوَ لَيْسَ أهل لذَلِك وانتهر عمر رَضِي الله عَنهُ أَبَا مُوسَى رَضِي الله عَنهُ حِين اسْتعْمل كَاتبا نَصْرَانِيّا ثمَّ قَالَ لَا تدنوهم وَقد أَقْصَاهُم الله وَلَا تُكْرِمُوهُمْ وَقد أَهَانَهُمْ الله وَلَا تَأْمَنُوهُمْ وَقد خَوَّنَهُمْ الله وَقد نَهَيْتُكُمْ عَن إستعمال أهل الْكتاب فَإِنَّهُم يسْتَحلُّونَ الرشا وَمِنْهَا الْبلُوغ وَالْعقل لِأَن الصَّبِي وَالْمَجْنُون إِذا لم يتَعَلَّق بقولهمَا حكم على أَنفسهمَا فعلى غَيرهمَا أولى وَقد ادّعى الْإِجْمَاع عَلَيْهِ فِي الْمَجْنُون قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَلَا يَكْتَفِي بِالْعقلِ الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ التَّكْلِيف حَتَّى يكون صَحِيح التَّمْيِيز جيد الفطنة بَعيدا من السَّهْو والغفلة ليتوصل إِلَى وضوح الشكل وَذكر الإِمَام نَحوه وَكَذَا الْغَزالِيّ نعم قَالَ الرَّافِعِيّ يسْتَحبّ كَونه وافر الْعقل متثبتاً ذَا فطنة ويقظة وَمِنْهَا الْحُرِّيَّة لِأَن
العَبْد نَاقص عَن ولَايَة نَفسه فَعَن ولَايَة غَيره أولى وبالقياس على الشَّهَادَة وَمن لم تكمل فِيهِ الْحُرِّيَّة كالقن وَمِنْهَا الْعَدَالَة لِأَن الْفسق إِذا منع من النّظر فِي مَال الإبن مَعَ عَظِيم شفقته فَمنع ولَايَة الْقَضَاء الَّتِي بَعْضهَا حفظ مَال الْيَتِيم أولى وَسَوَاء كَانَ فسقه مِمَّا لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ أَو بِمَا فِيهِ شُبْهَة وَفِي وَجه لَا يضر مَاله فِيهِ شُبْهَة وَتَأْويل وَمِنْهَا الذُّكُورَة لقَوْله تَعَالَى {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} وَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لن يفلح قوم وَلَو أَمرهم إمرأة وَلِأَن القَاضِي مُحْتَاج إِلَى مُخَاطبَة الرِّجَال وَالْمَرْأَة مأمورة بالتحرز عَن ذَلِك وَالله أعلم قَالَ
(وَمَعْرِفَة أَحْكَام الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة وَالِاخْتِلَاف وطرق الِاجْتِهَاد وطرف من لِسَان الْعَرَب)
من صِفَات القَاضِي أَن يكون أَهلا للِاجْتِهَاد فَلَا يجوز تَوْلِيَة الْجَاهِل بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة كالمقلد لقَوْله تَعَالَى {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} وَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْقُضَاة ثَلَاثَة فالمقلد فِي حكمه مقتف مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ علم وقاضي الْجَهْل لَا يدْرِي طَرِيقه وَلِأَن لَا يصلح للْفَتْوَى فالقضاء أولى لِأَن الافتاء اخبار غير مُلْزم وَالْقَضَاء إِخْبَار مُلْزم وَإِنَّمَا تحصل أَهْلِيَّة الِاجْتِهَاد بِأُمُور
أَحدهَا أَن يعرف من الْقُرْآن آيَات الْأَحْكَام وَهِي كَمَا قيل خَمْسمِائَة فَيعرف النَّاسِخ والمنسوخ وَالْعَام وَالْخَاص وَالْعَام الَّذِي أُرِيد بِهِ الْخُصُوص وَعَكسه وَالْمُطلق والمقيد والمحكم والمتشابه والمجمل والمفصل وَلَا يشْتَرط حفظه على ظهر الْقلب قَالَه الرَّوْيَانِيّ قَالَ الرَّافِعِيّ وَمِنْهُم من يُنَازع ظَاهر كَلَامه فِيهِ
الثَّانِي أَن يعرف من السّنة الْأَخْبَار الْمُتَعَلّقَة بِالْأَحْكَامِ وَيعرف مِنْهَا مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْكتاب الْعَزِيز وَيعرف الْمُتَوَاتر والآحاد والمرسل والمسند والمنقطع والمتصل وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل
الثَّالِث أَن يعرف أقاويل عُلَمَاء الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ رَضِي الله عَنْهُم إجمعا واختلافاً لِئَلَّا يحكم بِمَا أَجمعُوا على خِلَافه أَو بقول ثَالِث
الرَّابِع الْقيَاس فَيعرف جليه وخفيه وتمييز الصَّحِيح من الْفَاسِد
الْخَامِس أَن يعرف كَلَام الْعَرَب لُغَة وإعراباً وكصيغ الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر والاستخبار والوعد والوعيد وَغير ذَلِك مِمَّا لَا بُد مِنْهُ فِي فهم الْكتاب وَالسّنة لِأَن الشَّرْع ورد بِالْعَرَبِيَّةِ وَبهَا يعرف مَا ذَكرْنَاهُ وَيعرف إِطْلَاقه وتقييده وإجماله وَبَيَانه قَالَ الْأَصْحَاب وَلَا يشْتَرط التبحر فِي هَذِه الْعُلُوم بل يَكْفِي معرفَة جمل مِنْهَا قَالَ الْغَزالِيّ واجتماع هَذِه الشُّرُوط مُتَعَذر فِي عصرنا لخلو الْعَصْر عَن الْمُجْتَهد المستقل فَالْوَجْه تَنْفِيذ قَضَاء كل من ولاه سُلْطَان ذُو شَوْكَة وَإِن كَانَ جَاهِلا أَو فَاسِقًا لِئَلَّا تتعطل مصَالح الْمُسلمين قَالَ الرَّافِعِيّ وَهَذَا أحسن قَالَ ابْن الصّلاح وَابْن أبي الدَّم لَا نعلم أحدا ذكر مَا ذكره الْغَزالِيّ وَالَّذِي قطع بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ والمراوزة أَن الْفَاسِق لَا تنفذ أَحْكَامه وَقد ظهر بذلك بطلَان مَا قَالَاه وَالله أعلم قَالَ
(وَأَن يكون سميعا بَصيرًا كَاتبا متيقظاً)
يشْتَرط فِي القَاضِي السّمع وَالْبَصَر فَإِن الْأَصَم لَا يفرق بَين الْإِقْرَار وَالْإِنْكَار وَالْأَعْمَى لَا يعرف الطَّالِب من الْمَطْلُوب وَقيل تصح ولَايَة الْأَعْمَى لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام اسْتخْلف ابْن أم مَكْتُوم على الْمَدِينَة وَكَانَ أعمى وَالْمذهب الْقطع بِالْمَنْعِ وَالْخَبَر قيل بضعفه وَبِتَقْدِير الصِّحَّة مَحْمُول على ولَايَة الصَّلَاة دون الحكم وَفِي معنى الْأَعْمَى من يرى الأشباح وَلَا يعرف الصُّور وَلَا يشْتَرط أَن يعرف الْكِتَابَة على الْأَصَح لِأَن الْمَعْنى الْمَقْصُود من الحكم يعرف بِدُونِهَا وَيشْتَرط أَن يكون متيقظا فَلَا يَصح قَضَاء مُغفل اخْتَلَّ رَأْيه وَنَظره بِمَرَض أَو كبر وَنَحْوهمَا وَيشْتَرط أَيْضا كَونه ناطقاً متكلماً فَإِن الْأَخْرَس لَا يقدر على انفاذ الْأَحْكَام وَالله أعلم قَالَ