بَاب الْأُضْحِية فصل الْأُضْحِية سنة
الْأُضْحِية بتَشْديد الْيَاء هُوَ مَا ذبح من النعم تقرباً إِلَى الله يَوْم الْعِيد وَأَيَّام التَّشْرِيق وَيُقَال لَهَا ضحية
وَالْأَصْل فِيهَا قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ من شَعَائِر} الْآيَة وَقَوله سُبْحَانَهُ {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} على الْمَشْهُور وَغير ذَلِك وَهِي سنة مُؤَكدَة وشعار ظَاهر يَنْبَغِي لمن قدر عَلَيْهَا أَن يحافظ عَلَيْهَا وَذهب مَالك رَحمَه الله إِلَى وُجُوبهَا وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ يجب
على الْمُقِيم بِالْبَلَدِ الْمُوسر وَهَذَا الَّذِي يملك نِصَابا وَدَعوى الْوُجُوب مَمْنُوعَة بِالسنةِ الشَّرِيفَة فَفِي التِّرْمِذِيّ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ أمرت بالنحر وَهُوَ سنة لكم وأصرح من ذَلِك مَا روى الدَّارَقُطْنِيّ كتب عَليّ النَّحْر وَلَيْسَ بِوَاجِب عَلَيْكُم وَورد من حَدِيث أم سَلمَة رَضِي الله عَنْهَا أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ إِذا رَأَيْتُمْ هِلَال ذِي الْحجَّة وَأَرَادَ أحدكُم أَن يُضحي فليمسك عَن شعره وأظفاره وَجه الدّلَالَة مِنْهُ أَنه علق التَّضْحِيَة على الْإِرَادَة وَمَا هُوَ وَاجِب لَيْسَ هَذَا شَأْنه والْحَدِيث الْوَارِد بِوُجُوبِهَا رِوَايَة مَجْهُول وَإِن صَحَّ حمل على الِاسْتِحْبَاب جمعا بَين الْأَدِلَّة
إِذا عرفت هَذَا فالتضحية سنة على الْكِفَايَة إِذا فعلهَا وَاحِد من أهل بَيت تأدى عَن الْكل حق السّنة وَلَو تَركهَا أهل بَيت كره لَهُم ذَلِك والمخاطب بهَا الْحر الْقَادِر قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَللْإِمَام أَن يُضحي عَن الْمُسلمين من بَيت المَال وَلَا يجوز عَن الْمَيِّت على الْأَصَح إِلَّا أَن يُوصي بهَا نعم تجوز النِّيَابَة عَنهُ فِيمَا عينه بِنذر قبل مَوته وَالله أعلم قَالَ
(وَيُجزئ فِيهَا الْجذع من الضَّأْن والثني من الْمعز وَالْإِبِل وَالْبَقر وتجزئ الْبَدنَة عَن سَبْعَة وَالْبَقَرَة عَن سَبْعَة وَالشَّاة عَن وَاحِد)
يشْتَرط فِيمَا يضحى بِهِ أُمُور
أَحدهَا الذّبْح
وَالثَّانِي الذَّابِح وَقد مر ذكرهمَا
وَالثَّالِث الْوَقْت وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى الرَّابِع أَن يكون من الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم بأنواعها للآيات وَالْأَخْبَار قَالَ الله تَعَالَى {لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} ولفعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يُجزئ من غَيرهَا بِالْإِجْمَاع وَلَا يُجزئ من الضَّأْن إِلَّا الْجذع وَهُوَ من الْغنم مَاله سنة على الْأَصَح وَفِي التَّهْذِيب وَغَيره أَنه الَّذِي لَهُ سنة أَو أسقط أَسْنَانه فَيكون كالبلوغ فَإِنَّهُ إِمَّا بِالسِّنِّ أَو الِاحْتِلَام قبله وَيشْهد لَهُ قَول القَاضِي أبي الطّيب أَن الاجذاع سُقُوط أَسْنَان اللَّبن ونبات غَيرهَا وَالَّذِي قَالَه الْجَوْهَرِي أَن الْجذع اسْم لزمنه وَلَيْسَ هُوَ سنا يسْقط وينبت وَقَالَ ابْن الرّفْعَة نقل بَعضهم عَن أهل الْبَادِيَة أَن الصوفة تكون على ظَهره قَائِمَة فَإِذا نَامَتْ علم أَنه جذع وَقيل مَاله سِتَّة أشهر وَقيل ثَمَان وَأما
الثني من الْمعز فَمَاله سنتَانِ على الْأَصَح وخالفت الضَّأْن لِأَن لَحمهَا دون لحم الضَّأْن فجبر بِزِيَادَة السن ورسمي ثنيا لطلوع ثنيته وَقيل يُجزئ مَاله سنة وَدخل فِي الثَّانِيَة وَأما الثني من الْإِبِل فَمَاله خمس سِنِين وَدخل فِي السَّادِسَة على الْأَصَح وَقيل مَا دخل فِي السَّابِعَة وَأما من الْبَقر فَمَاله سنتَانِ وَدخل فِي الثَّالِثَة على الْأَصَح وَقيل مَا دخل فِي الرَّابِعَة
وَاعْلَم أَنه لَا فرق فِي الْأَجْزَاء بَين الْأُنْثَى وَالذكر إِذا وجد السن الْمُعْتَبر نعم الذّكر أفضل على الرَّاجِح لِأَنَّهُ أطيب لَحْمًا وَنقل عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ الْأُنْثَى أحب من الذّكر وَهُوَ مؤول على جَزَاء الصَّيْد لِأَنَّهَا أَكثر قيمَة فيشتريى بهَا طَعَاما وتجزئ الْبَدنَة عَن سَبْعَة وَكَذَا الْبَقَرَة لما روى جَابر رَضِي الله عَنهُ قَالَ نحرنا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْحُدَيْبِية الْبَدنَة عَن سَبْعَة وَالْبَقَرَة عَن سَبْعَة وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق تُجزئ الْبَدنَة عَن عشرَة وَفِي البُخَارِيّ مَا يشْهد لَهُ وتجزئ الشَّاة عَن وَاحِد وَكَذَا عَن أهل الْبَيْت كَمَا مر وَالله أعلم قَالَ
(وَأَرْبع لَا تُجزئ فِي الضَّحَايَا العوراء الْبَين عورها والعرجاء الْبَين عرجها والمريضة الْبَين مَرضهَا والعجفاء الَّتِي ذهب مخها من الهزال)
يشْتَرط فِي الاضحية سلامتها من عيب ينقص اللَّحْم وَيدخل فِيهِ مسَائِل مِنْهَا العوراء الَّتِي ذهبت حدقتها وَكَذَا إِن بقيت على الْأَصَح لاطلاق الْخَبَر وَهُوَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرْبَعَة لَا تُجزئ فِي الْأَضَاحِي العوراء الْبَين عورها والمريضة الْبَين مَرضهَا والعرجاء الْبَين ضلعها والعجفاء الَّتِي لَا تنقي والنقي الشَّحْم وَقيل مخ الْعظم وَوجه عدم الْإِجْزَاء أَن الَّتِي ذهبت حدقتها فَاتَ مِنْهَا جُزْء مَأْكُول مستطاب وَإِن لم تذْهب فرعيها ينقص من جَانب العور فتهزل لَو بقيت وَمِنْهَا العرجاء للْخَبَر فَلَا تُجزئ العرجاء الَّتِي اشْتَدَّ عرجها بِحَيْثُ تسبقها الْمَاشِيَة إِلَى الْكلأ الطّيب وتتخلف عَن القطيع فَإِن كَانَ يَسِيرا لَا يخلفها عَن الْمَاشِيَة لم يضر وَلَو أضجعها ليضحي بهَا وَهِي سليمَة فاضطربت وانكسرت رجلهَا أَو عرجت تَحت السكين لم تجز على الْأَصَح لِأَنَّهَا عرجاء عِنْد الذّبْح
فَأشبه مَا لَو انْكَسَرت رجل شَاة فبادر إِلَى التَّضْحِيَة بهَا فَإِنَّهَا لَا تُجزئ وَمِنْهَا الْمَرِيضَة للْخَبَر فالمريضة إِن كَانَ مَرضهَا يَسِيرا لم يمْنَع الْإِجْزَاء وَإِن كَانَ بَينا يظْهر بِسَبَبِهِ الهزال وَفَسَاد اللَّحْم منع الْإِجْزَاء هَذَا هُوَ الْمَذْهَب وَفِي قَول أَن الْمَرَض لَا يمْنَع مُطلقًا وَالْمَرَض مَحْمُول فِي الحَدِيث على الجرب وَفِي وَجه أَن الْمَرَض يمْنَع مُطلقًا وَإِن كَانَ يَسِيرا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ قولا وَمن الْمَرَض الهيام وَهُوَ شدَّة الْعَطش فَلَا تروى من المَاء قَالَ أهل اللُّغَة هُوَ دَاء يَأْخُذهَا فتهيم فِي الأَرْض فَلَا ترعى وَمِنْهَا الْعَجْفَاء للْخَبَر فَلَا تُجزئ الْعَجْفَاء الَّتِي ذهب مخها من شدَّة هزالها لِأَنَّهُ داه مُؤثر فِي اللَّحْم فَإِن قل أَجْزَأت وَضبط الْأَصْحَاب الَّذِي يضر بِأَن يَنْتَهِي إِلَى حد تأباه نفوس المترفين فِي الرخَاء والرخص قَالَ ابْن الرّفْعَة يَنْبَغِي أَن يكون الْمرجع فِي ذَلِك إِلَى الْعرف قَالَ الْمَاوَرْدِيّ الَّتِي ذهب مخها إِن كَانَ لمَرض ضرّ وَإِن كَانَ لخلقة فَلَا يضر وَمِنْهَا الجرباء فَإِن كثر جربها ضرّ وَكَذَا إِن قل على الْأَصَح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ بِأَنَّهُ دَاء يفْسد اللَّحْم والودك وَاخْتَارَ الإِمَام وَالْغَزالِيّ أَنه لَا يمْنَع الْإِجْزَاء إِلَّا الْكثير كالمرض وَكَذَا قَيده الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر بالكثير وَمِنْهَا التولاء وَهِي الَّتِي تَدور فِي المرعى وَلَا ترعى وَمِنْهَا أَي من الْعُيُوب فقد الْأَسْنَان فَإِن ذهب بعض أسنانها لم يضر وَإِن تناثرت بِالْكَسْرِ أَو غَيره جَمِيع الْأَسْنَان قَالَ الإِمَام قَالَ الْمُحَقِّقُونَ يُجزئ لِأَنَّهُ لم يفت جُزْء مَأْكُول وَأطلق الْبَغَوِيّ وَجَمَاعَة أَنَّهَا لَا تُجزئ وَصَححهُ النَّوَوِيّ وَاحْتج بِأَن الحَدِيث النَّهْي عَن المشيعة وَقَالَ بَعضهم إِن كَانَ ذَلِك لمَرض أَو أثر فِي الْعلف وَنقص اللَّحْم فَلَا تُجزئ وَإِلَّا أَجْزَأت قَالَ الرَّافِعِيّ وَهُوَ حسن وَقَالَ الشَّافِعِي لَا نَحْفَظ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْأَسْنَان شَيْئا وَلَا يجوز فِيهَا إِلَّا وَاحِد من قَوْلَيْنِ إِمَّا الْمَنْع لِأَنَّهُ يضر بِاللَّحْمِ وَإِن قل أَو الْإِجْزَاء كفقد الْقرن وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا تُجزئ مَقْطُوعَة الْأذن أَو الذَّنب) لَا تُجزئ مَقْطُوعَة الْأذن وَكَذَا الْمَقْطُوع أَكثر أذنها بِلَا خلاف فَإِن كَانَ يَسِيرا فَفِيهِ خلاف الْأَصَح عدم الْإِجْزَاء لفَوَات جُزْء مَأْكُول وَضبط الإِمَام الْفرق بَين الْقَلِيل وَالْكثير بِأَنَّهُ إِن لَاحَ من بعد فكثير وَإِلَّا فيسير وَلَو قطعت وَبقيت متدلية أَجْزَأت على الْأَصَح وَلَو كويت أَجْزَأت على الْمَذْهَب وَقيل لَا تُجزئ لتصلب مَوضِع الكي وتجزئ صَغِيرَة الْأذن وَلَا تُجزئ الَّتِي لم تخلق لَهَا أذن على الرَّاجِح وَتسَمى السكاء وتجزئ الَّتِي خلقت بِلَا آلية أَو ضرع فِي الْأَصَح وَالْفرق أَن الْأذن عُضْو لَازم بِخِلَاف الضَّرع والألية بِدَلِيل جَوَاز التَّضْحِيَة بِالذكر من الْمعز فَلَا تُجزئ مَقْطُوعَة الآلية والضرع على الْأَصَح لفَوَات جُزْء الْمَأْكُول وَكَذَا مَقْطُوعَة الذَّنب وَالله أعلم قَالَ
(وَيُجزئ الْخصي ومكسور الْقرن)
الْخصي هُوَ مَقْطُوع الْأُنْثَيَيْنِ وَالْمذهب أَنه يُجزئ لِأَن نقصهما سَبَب لزِيَادَة اللَّحْم وطيبه وَأغْرب ابْن كج فَحكى فِيهِ قَوْلَيْنِ وَجه عدم الْإِجْزَاء لما فِيهِ من فَوَات جُزْء مَأْكُول مستطاب
وتجزئ القصعاء وَهِي الَّتِي كسر قرناها من أَصلهمَا سَوَاء سَالَ الدَّم أم لم يسل وَكَذَا تُجزئ الْجَمَّاء وَهِي الَّتِي كسر أَحدهمَا وَكَذَا الجلحاء وَهِي الَّتِي لم يخلق لَهَا قرن وَقيل هِيَ الَّتِي ذهب بعض قرنها وَكَذَا القصماء وَهِي الَّتِي انْكَسَرَ غلاف قرنها وَكَذَا العضباء وَهِي الَّتِي انْكَسَرَ قرنها الْبَاطِن لِأَن ذَلِك كُله لَا يُؤثر فِي اللَّحْم فَأشبه الصُّوف نعم تكره التَّضْحِيَة بذلك كُله وتجزئ الَّتِي يشرب لَبنهَا وَهل تُجزئ الْحَامِل فِيهِ خلاف قَالَ ابْن الرّفْعَة الْمَشْهُور أَنَّهَا تُجزئ لِأَن نقص اللَّحْم يجْبر بالجنين وَفِيه وَجه لَا تُجزئ قَالَ ابْن النَّقِيب وَهَذَا الْوَجْه اقْتصر عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب على حكايته عَن أبي الطّيب أَنه نَقله عَن الْأَصْحَاب وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَا تُجزئ وَقَالَ الأسنوي وَمَا قَالَه ابْن الرّفْعَة على وَجه الضَّعِيف وَأَن الْمَشْهُور خِلَافه عَجِيب فقد صرح بِكَوْنِهِ عَيْبا يَعْنِي الْحمل خلائق مِنْهُم الْمُتَوَلِي وَجزم بِهِ شيخ الْأَصْحَاب الشَّيْخ أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ والعمراني وَالنَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب نقلا عَن الْأَصْحَاب وَفرقُوا بَين التَّضْحِيَة وَالزَّكَاة بِأَن الْمَقْصُود من الْأُضْحِية اللَّحْم وَهُوَ يهزلها وَالْمَقْصُود من الزَّكَاة الْقيمَة وَصرح بِهِ أَيْضا الْبَنْدَنِيجِيّ ورأيته فِي شرح الْمُهَذّب الْمُسَمّى بالاستقصاء وَنَقله عَن الْأَصْحَاب فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّة الْمَذْهَب وجزموا بِهِ وَلَعَلَّ السَّبَب فِي قَول ابْن الرّفْعَة ذَلِك كَونهم ذكرُوا الْمَسْأَلَة فِي غير مظنتها
قلت يَنْبَغِي أَن يفصل فَيُقَال إِن كَانَت الْحَامِل سمينا فتجزئ قطعا للمعنى الْمَقْصُود من الْأُضْحِية وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يمْنَعهَا وَلَا هِيَ فِي معنى الْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَإِن لم تكن سَمِينَة فَإِن بَان بهَا الهزال فَلَا تُجزئ وَإِلَّا أَجْزَأت كنظيرها مِمَّن لَا حمل بهَا على أَن فِي كَلَام الرَّافِعِيّ مَا يدل على إجزائها مُطلقًا وَلِهَذَا قَالَ إِنَّهَا لَو عينت عَمَّا فِي الذِّمَّة أَجْزَأت ثمَّ قَالَ فِي أثْنَاء كَلَامه وَلِهَذَا لَو عابت عَادَتْ إِلَى ملكه وَهُوَ يَقْتَضِي أَن الْحمل لَيْسَ بِعَيْب هُنَا لِأَن الْمَعِيب لَا يجوز تَعْيِينه عَمَّا فِي الذِّمَّة وَمَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي البيع من أَن الْحمل ينقص لَحمهَا طَريقَة وَالله أعلم قَالَ
(وَوقت الذّبْح من وَقت صَلَاة الْعِيد إِلَى غرُوب الشَّمْس من آخر أَيَّام التَّشْرِيق)
يدْخل وَقت التَّضْحِيَة إِذا طلعت الشَّمْس يَوْم النَّحْر وَمضى قدر رَكْعَتَيْنِ وخطبتين خفيفات على الْمَذْهَب هَذَا لفظ الرَّوْضَة لكنه أقرّ الشَّيْخ صَاحب التَّنْبِيه فِي التَّصْحِيح على اعْتِبَار زِيَادَة على ذَلِك وَهُوَ أَن ترْتَفع الشَّمْس قدر رمح وَهَذَا الَّذِي اعْتَبرهُ الشَّيْخ فِي التَّصْحِيح ذكره الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر وَحجَّة اعْتِبَار مُضِيّ قدر الصَّلَاة والخطبتين قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ذبح قبل الصَّلَاة فَإِنَّمَا يذبح لنَفسِهِ وَمن ذبح بعد الصَّلَاة والخطبتين فقد أتم نُسكه وَأصَاب سنة الْمُسلمين قيل ظَاهر الْخَبَر يدل على اعْتِبَار الصَّلَاة فَلم عدلتم عَن ذَلِك إِلَى اعْتِبَار الْوَقْت فَالْجَوَاب أَن فعل الصَّلَاة لَيْسَ
بِشَرْط فِي دُخُول الْوَقْت بِالنِّسْبَةِ إِلَى أهل السوَاد بالِاتِّفَاقِ فَكَذَلِك فِي أهل الْأَمْصَار وَالله أعلم وَيخرج وَقت التَّضْحِيَة بِانْقِضَاء أَيَّام التَّشْرِيق لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيَّام منى كلهَا منحر وَلِأَن حكم ثَالِث أَيَّام التَّشْرِيق حكم اليوميين قبله فِي الزَّمن وَفِي تَحْرِيم الصَّوْم فَكَذَا فِي الذّبْح وَالله أعلم
(فرع) تكره التَّضْحِيَة لَيْلًا خشيَة أَن يُخطئ المذبح أَو يُصِيب نَفسه أَو يتَأَخَّر بتفريق اللَّحْم طرياً وَالله أعلم قَالَ
(وَيسْتَحب عِنْد الذّبْح خَمْسَة أَشْيَاء التَّسْمِيَة وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم واستقبال الْقبْلَة بالذبيحة وَالتَّكْبِير وَالدُّعَاء بِالْقبُولِ)
تسْتَحب التَّسْمِيَة لقَوْله تَعَالَى {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْم الله عَلَيْهِ} ورد أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام حِين ذبح أضحيته قَالَ باسم الله فَلَو لم يسم حلت لِأَن الله تَعَالَى أَبَاحَ ذَبَائِح أهل الْكتاب وهم لَا يسمون غَالِبا وَورد أَن أُنَاسًا قَالُوا يَا رَسُول الله إِن قوما من الْأَعْرَاب يأتوننا بِاللَّحْمِ مَا نَدْرِي أذكروا اسْم الله عَلَيْهِ أم لَا فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سموا الله تَعَالَى وكلوا فَدلَّ على أَنَّهَا غير وَاجِبَة وَغير ذَلِك من الْأَدِلَّة
وَأما الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقد نَص الشَّافِعِي على استحبابها قِيَاسا على سَائِر الْمَوَاضِع وَلِأَن الله تَعَالَى رفع ذكره فَلَا يذكر إِلَّا وَيذكر مَعَه وَقد ثَبت ذكر التَّسْمِيَة وَأما تَوْجِيه الذَّبِيحَة إِلَى الْقبْلَة فَلِأَنَّهَا خير الْجِهَات وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَجه ذَبِيحَته إِلَى الْقبْلَة وَقيل يَنْبَغِي أَن يكره لِأَنَّهَا حَالَة إِخْرَاج نَجَاسَة فَهِيَ كالبول وَأجِيب بِأَنَّهَا حَالَة يسْتَحبّ فِيهَا ذكر الله تَعَالَى بِخِلَاف تِلْكَ وَفِي كَيْفيَّة التَّوْجِيه أوجه أَصَحهَا تَوْجِيه المذبح ليَكُون الذَّابِح مُسْتَقْبلا كَمَا هُوَ الْأَفْضَل وَأما التَّكْبِير فَفِي رِوَايَة أنس رَضِي الله عَنهُ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بِيَدِهِ الْكَرِيمَة سمى وَكبر وَوضع رجله المشرفة على صفحاتهما وَأما الدُّعَاء بِالْقبُولِ فمستحب وَلَفظه اللَّهُمَّ هَذَا مِنْك وَإِلَيْك فَتقبل مني وَمعنى ذَلِك هَذِه نعْمَة وعطية مِنْك سقتها وَتَقَرَّبت بهَا إِلَيْك وَاحْتج لذَلِك بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ عِنْد التَّضْحِيَة بذاتك الكبشين اللَّهُمَّ تقبل من
مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا يَأْكُل المضحى شَيْئا من الْأُضْحِية الْمَنْذُورَة وَيَأْكُل من المتطوع بهَا وَلَا يَبِيع مِنْهَا)
الْأُضْحِية الْمَنْذُورَة تخرج من ملك النَّاذِر بِالنذرِ كَمَا لَو أعتق عبدا حَتَّى لَو أتلفهَا لزمَه ضَمَانهَا فَإِذا نحرها لزمَه التَّصَدُّق بلحمها فَلَو أَخّرهُ حَتَّى تلف لزمَه ضَمَانه وَلَا يجوز لَهُ أَن يَأْكُل مِنْهَا شَيْئا قِيَاسا على جَزَاء الصَّيْد وَدِمَاء الجبرانات فَلَو أكل مِنْهَا شَيْئا غرم وَلَا يلْزمه إِرَاقَة دم ثَانِيًا لِأَنَّهُ قد فعله وَفِيمَا يضمن أوجه الرَّاجِح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَنه يغرم قِيمَته كَمَا لَو أتْلفه غَيره وَالثَّانِي يلْزمه مثل اللَّحْم وَالثَّالِث يشارط بِهِ فِي ذَبِيحَة أُخْرَى
وَأما المتطوع بهَا فَيُسْتَحَب لَهُ أَن يَأْكُل مِنْهَا بل قيل بِالْوُجُوب لقَوْله تَعَالَى {فَكُلُوا مِنْهَا} وَالصَّحِيح الِاسْتِحْبَاب لقَوْله تَعَالَى {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} جعلهَا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لنا لَا علينا وبالقياس على الْعَقِيقَة وَالْأَفْضَل التَّصَدُّق بِالْجَمِيعِ إِلَّا اللُّقْمَة أَو اللقمتان يأكلها فَإِنَّهَا مسنونة وَقَالَ الإِمَام وَالْغَزالِيّ التَّصْدِيق بِالْكُلِّ أحسن على كل قَول فَلَو لم يرد التَّصَدُّق بِالْكُلِّ فَمَا الَّذِي يفعل قيل يَأْكُل بِالنِّصْفِ وَيتَصَدَّق بِالنِّصْفِ لقَوْله تَعَالَى {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} فَجَعلهَا الله نِصْفَيْنِ وَهَذَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي الْقَدِيم وَقيل يَأْكُل الثُّلُث وَيهْدِي الثُّلُث وَيتَصَدَّق بِالثُّلثِ لقَوْله تَعَالَى {وأطعموا القانع والمعتر} فَجَعلهَا لثَلَاثَة والقانع الْجَالِس فِي بَيته والمعتر السَّائِل وَقيل غير ذَلِك وَهَذَا هُوَ الْجَدِيد الْأَصَح فعلى هَذَا فَمَا المُرَاد بِالَّذِي يهدى إِلَيْهِم قيل هم المتجملون من الْفُقَرَاء فَيرجع حَاصله إِلَى التَّصَدُّق بالثلثين وَهَذَا مَا حَكَاهُ أَبُو الطّيب عَن الْجَدِيد وَصَححهُ وَقيل هم الْأَغْنِيَاء وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد يَأْكُل الثُّلُث وَيتَصَدَّق بِالثُّلثِ وَيهْدِي الثُّلُث للأغنياء والمتجملين وَلَو تصدق بالثلثين كَانَ أحب وَنقل الْبَنْدَنِيجِيّ كَون التَّصَدُّق بالثلثين أفضل عَن النَّص وَالله أعلم
وَاعْلَم أَن مَوضِع الْأُضْحِية الِانْتِفَاع فَلَا يجوز بيعهَا بل وَلَا بيع جلدهَا وَلَا يجوز جعله أُجْرَة للجزار وَإِن كَانَت تَطَوّعا بل يتَصَدَّق بِهِ المضحي أَو يتَّخذ مِنْهُ مَا ينْتَفع بِهِ من خف أَو نعل أَو دلو أَو غَيره وَلَا يؤجره والقرن كالجلد وَعند أبي حنيفَة رَحمَه الله أَنه يجوز بَيْعه وَيتَصَدَّق بِثمنِهِ وَأَن يَشْتَرِي بِعَيْنِه مَا ينْتَفع بِهِ فِي الْبَيْت لنا الْقيَاس على اللَّحْم وَعَن صَاحب التَّقْرِيب حِكَايَة قَول غَرِيب أَنه يجوز
بيع الْجلد وَيصرف ثمنه مصرف الْأُضْحِية وَالله أعلم
(فرع) مَحل التَّضْحِيَة بلد المضحي وَفِي نقل الْأُضْحِية وَجْهَان تخريجاً من نقل الزَّكَاة وَالصَّحِيح هُنَا الْجَوَاز وَالله أعلم
(فرع) لَو وهب غَنِيا من الْأُضْحِية هبة تمْلِيك قَالَ الإِمَام فَالْأَظْهر أَنه مُمْتَنع فَإِن الْهِبَة لَيست صَدَقَة وَالْأُضْحِيَّة يَنْبَغِي أَن تكون مترددة بَين الصَّدَقَة وَالْإِطْعَام وَالله أعلم قَالَ