بَاب مَا يحل وَمَا يحرم من الْأَطْعِمَة فصل وكل حَيَوَان استطابته الْعَرَب فَهُوَ حَلَال إِلَّا مَا ورد الشَّرْع بِتَحْرِيمِهِ
طلب الْحَلَال فرض عين لِأَن اللَّحْم النَّابِت من الْحَرَام النَّار أولى بِهِ كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر
ثمَّ الأَصْل فِي حل الْأَطْعِمَة الْآيَات وَالْأَخْبَار قَالَ الله تَعَالَى {يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} وَالْمرَاد بِهِ هُنَا مَا تستطيبه النَّفس وتشتهيه وَلَا يجوز أَن يُرَاد بِهِ الْحَلَال لأَنهم سَأَلُوهُ عَمَّا أحل لَهُم فَكيف يَقُول أخل لكم الْحَلَال وَقَالَ تَعَالَى {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} وَقَالَ تَعَالَى {قُلْ لَا أجد فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} الْآيَة أَي فِيمَا أُوحِي إِلَيّ قُرْآنًا فَإِن غير ذَلِك حرمته السّنة وَقيل مَعْنَاهُ لَا أجد فِي مَا أُوحِي إِلَيّ محرما فِيمَا كَانَت الْعَرَب تستطيبه إِلَّا هَذِه الثَّلَاثَة قَالَ الْأَصْحَاب مَا يُمكن أكله من الجمادات والحيوانات لَا يَتَأَتَّى حصر أَنْوَاعه لَكِن الأَصْل فِي الْأكل الْحل لِأَن الْأَعْيَان مخلوقة لمنافع الْعباد
فَإِن القَوْل مَا قَالَت حذام
وَيسْتَثْنى من ذَلِك مَا ورد الشَّرْع بِتَحْرِيمِهِ وَقَول الشَّيْخ استطابته الْعَرَب احْتَرز بِهِ عَن الْعَجم فَإِنَّهُ لَا اعْتِبَار بهم لِأَن الله تَعَالَى لما أناط الحكم بالطيبات وَالتَّحْرِيم بالخبائث علم بِالْعقلِ أَنه لم يرد مَا تسطيبه وتستخبثه كل النَّاس لِاسْتِحَالَة اجْتِمَاعهم على ذَلِك لاخْتِلَاف طباعهم فَتعين إِرَادَة بَعضهم وَالْعرب أولى بذلك لنزول الْقُرْآن بلغتهم وهم المخاطبون بِهِ
ثمَّ طبائع الْعَرَب مُخْتَلفَة فيتعذر اعْتِبَار جَمِيعهم فَيرجع إِلَى من كَانَ فِي عصره عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَمَا قَالَه القَاضِي حُسَيْن وَغَيره وَأبْدى الرَّافِعِيّ لنَفسِهِ احْتِمَالا فِي عدم اختصاصهم بذلك وَأَنه يرجع فِي كل زمَان إِلَى عربه
وعَلى كل حَال فَيشْتَرط فيهم شُرُوط مِنْهَا أَن يَكُونُوا قريبين من الْبِلَاد والأرياف دون أهل الْبَوَادِي والمواضع المنقطعة فَإِنَّهُم يَأْكُلُون مَا دب ودرج وَمِنْهَا أَن يَكُونُوا ذَوي طباع سليمَة وَمِنْهَا أَن يستطيبوا الْحَيَوَان فِي حَال الرخَاء دون حَالَة الْقَحْط فَإِن استطابه الْبَعْض واستخبثه الْبَعْض اعْتبر بِالْأَكْثَرِ فَإِن اسْتَووا رجح بِقُرَيْش قَالَه الْعَبَّادِيّ وَغَيره فَإِن اخْتلفت قُرَيْش أَو لم يحكموا بِشَيْء رَجَعَ إِلَى شَبيه الْحَيَوَان فِي صورته أَو طعم لَحْمه أَو طبعه من السَّلامَة والعدوان فَإِن اسْتَوَى الشبهان أَو لم يُوجد مَا يُشبههُ فَالْأَصَحّ الْحل وَقيل يحرم وبناهما الْمَاوَرْدِيّ على الْخلاف فِي أَن الِاعْتِبَار قبل الشَّرْع فِي الْأَشْيَاء هَل هِيَ على الْإِبَاحَة أَو الْحَظْر وَلَو وجدنَا حَيَوَانا وَتعذر معرفَة حكمه من شرعنا وَثَبت تَحْرِيمه فِي شرع من قبلنَا فَهَل يستصحب تَحْرِيمه قَولَانِ الْأَزْهَر لَا وَإِنَّمَا يثبت أَنه شرع من قبلنَا بِالْكتاب أَو السّنة أَو بعد أَن أسلم مِنْهُم أنَاس عارفون بالتنزيل
إِذا عرفت هَذَا فَلَا بُد من ذكر نبذة مِمَّا يستطاب وَمِمَّا يستخبث أما المستطاب فكثير مَعَ اخْتِلَاف أَنْوَاعه وَهُوَ أنسي وَوَحْشِي فَمن الْإِنْسِي الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم وحلها بِالْإِجْمَاع بعد قَوْله تَعَالَى {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} وَقَوله {وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} وَمِنْهَا الْخَيل لما روى
جَابر رَضِي الله عَنهُ قَالَ نَهَانَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم خَيْبَر عَن لُحُوم الْحمر وَأذن فِي لُحُوم الْخَيل وَفِي رِوَايَة نَهَانَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْحمير وَالْبِغَال وَلم ينهنا عَن الْخَيل وَالله أعلم
وَيحل من دَوَاب الْوَحْش الْبَقر لِأَنَّهَا من الطَّيِّبَات وَيَسْتَوِي فِي ذَلِك الْإِبِل والوعل وَكَذَا جَمِيع كباش الْجَبَل وغنمه وَكَذَا الْحمار لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أكل مِنْهُ وَلَا فرق بَين المتوحش والمستأنس كَمَا لَا يحل الْحمار الأهلي فِي الْحَالين والظبي والضبع والثعلب والأرنب واليربوع والقنفذ والوبر وَابْن عرس لِأَنَّهَا مستطابة وَفِي بَعْضهَا خلاف وَكَذَا يحل الضَّب لِأَنَّهُ أكل بِحَضْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلِهَذَا تَتِمَّة تَأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما مَا يستخبث فكثير جدا مِنْهَا الْحَيَّات والعقارب والخنافس وَنَحْوهَا كالقراد وَالْقمل وَنَحْو ذَلِك لِأَنَّهَا من الْخَبَائِث قَالَ الله تَعَالَى {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِم الْخَبَائِث} وَالله أعلم قَالَ
(وَيحرم من السبَاع مَاله نَاب قوي يعدو بِهِ وَيحرم من الطُّيُور مَاله مخلب قوي يجرح بِهِ)
كل مَا كَانَ من السبَاع لَهُ نَاب يعدو بِهِ على الْحَيَوَان ويتقوى بِهِ فَيحرم كالأسد والفهد والنمر وَالذِّئْب والدب والقرد والفيل والتمساح والزرافة وَابْن آوى لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام نهى عَن أكل كل ذِي نَاب من السبَاع لِأَن هَذِه الْأَنْوَاع تعدو بنابها طالبة غير مَطْلُوبَة كَمَا قَالَه الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق لِأَنَّهَا لَا تَأْكُل إِلَّا من فريستها وَلِهَذَا لَا يحرم الضبع والثعلب وَنَحْوهمَا لفقد هذَيْن الْمَعْنيين وَفِي وَجه يحل الْفِيل وَفِي آخر يحل التمسساح وَفِي آخر يحل ابْن آوى وَفِي آخر تحل الزرافة وَلَا يُؤْكَل الْكَلْب لِأَنَّهُ من الْخَبَائِث وَكَذَا الْخِنْزِير لِلْآيَةِ وَفِي السنور خلاف وَالصَّحِيح التَّحْرِيم وَإِن كَانَ وحشياً لِأَنَّهُ يتقوى بنابه وياكل الْجِيَف فَأشبه الْأسد ورد عَن أبي الزبير قَالَ سَأَلت جَابِرا عَن ثمن الْكَلْب والسنور فَقَالَ زجر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ذَلِك وروى أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ إِن الله إِذا حرم شَيْئا حرم ثمنه وَيحل السمور والسنجاب والفنك والقاقم على الْأَصَح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَالله أعلم وَكَذَا يحرم من الطُّيُور كل مَا يتقوى بمخلبه كالنسر والصقر والشاهين والبازي والحدأة بأنواعا لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام نهى عَن أكل كل ذِي مخلب من الطُّيُور وَكَذَا يحرم مَا يَأْكُل الْجِيَف كالغراب الأبقع وَالْأسود الْكَبِير لِأَنَّهَا مستخبثان وَفِي تَحْرِيم الزاغ خلاف فَيحل مِنْهُ محمر المنقار وَالرّجلَيْنِ على الْأَصَح دون الغداف وَهُوَ رمادي صَغِير الجثة على الْأَصَح كَذَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي أصل الرَّوْضَة وَهُوَ سَهْو وَالَّذِي فِي الشَّرْح الصَّغِير الْحل فيهمَا لِأَنَّهُمَا يلقطان الْحبّ كالفواخت وَلَا يأكلان الْجِيَف بِخِلَاف الْأسود الْكَبِير وَيحل الكركي وَفِي الشقراق خلاف وَالله أعلم
(فرع) تكره الدَّابَّة الْجَلالَة سَوَاء الشَّاة وَالْبَقَرَة والدجاجة وَغَيرهَا لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام نهى عَن أكل الْجَلالَة وَأَلْبَانهَا وَالْجَلالَة هِيَ الَّتِي أَكثر أكلهَا الْعذرَة الْيَابِسَة كَذَا قَالَه الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَقَالَ غَيره هِيَ الَّتِي تَأْكُل الْعذرَة وأطلقوا ذَلِك ثمَّ الْكَرَاهَة منوطة بِتَغَيُّر الرَّائِحَة وَالنَّتن فَإِن وجد فِي عرقها أَو غَيره ريح النَّجَاسَة فجلالة وَإِلَّا فَلَا كَذَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي أصل الرَّوْضَة وَهل النَّهْي عَن أكل الْجَلالَة للتَّحْرِيم أَو للكراهة وَجْهَان صحّح النَّوَوِيّ أَنَّهَا للتنزيه وعلته أَن النَّهْي إِنَّمَا كَانَ
للنَّجَاسَة وَمَا تَأْكُله من الطاهرات ينجس فِي كرشها فَلَا تتغذى إِلَّا بالنجاسات أبدا فَأكلهَا النَّجَاسَات إِنَّمَا يُؤثر فِي تَغْيِير لَحمهَا وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْكَرَاهَة كَمَا أَن المذكي إِذا جَاف لَا يحرم أكله على الْمَذْهَب وَصحح الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر تبعا للْإِمَام وَالْغَزالِيّ وَغَيرهمَا التَّحْرِيم لظَاهِر الْخَبَر وَلِأَنَّهَا صَارَت من الْخَبَائِث لكنه حكى فِي الشَّرْح الْكَبِير عَن الْأَكْثَرين وَمِنْهُم الْعِرَاقِيُّونَ مَا صَححهُ النَّوَوِيّ وَالله أعلم قَالَ
(وَيحل للْمُضْطَر فِي المخمصة أَن يَأْكُل من الْميتَة مَا يسد بِهِ رمقه)
نَص الْقُرْآن الْعَظِيم على تَحْرِيم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَمَا أهل لغير الله بِهِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا كالموقودة والمتردية والنطيحة وَمَا أكل السَّبع وَهَذَا فِي غير حَالَة الضَّرُورَة وَأما الْمُضْطَر فَيُبَاح لَهُ الْأكل كَمَا قَالَ تَعَالَى {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} أَي فَأكل فَلَا إِثْم عَلَيْهِ ثمَّ الْأكل قد يجب لدفع الْهَلَاك
وَاعْلَم أَنه لَا خلاف أَن الْجُوع الْقوي لَا يَكْفِي لأكل الْحَرَام وَلَا خلاف أَنه لَا يجب الِامْتِنَاع إِلَى أَن يشرف على الْمَوْت فَإِن الْأكل حِينَئِذٍ لَا يُفِيد بل لَو انْتهى إِلَى هَذِه الْحَالة لم يحل لَهُ أكل الْميتَة فَإِنَّهُ غير مُفِيد وَلَا خلاف فِي الْحل إِذا كَانَ يخَاف على نَفسه لَو لم يَأْكُل من جوع أَو ضف عَن الْمَشْي وَعَن الرّكُوب أَو يَنْقَطِع عَن الرّفْقَة أَو يضيع وَنَحْو ذَلِك فَلَو خَافَ حُدُوث مرض مخيف حَبسه فَهُوَ كخوف الْمَوْت وَإِن خَافَ طول الْمَرَض فَكَذَلِك على الرَّاجِح وَلَو عيل صبره وجهده الْجُوع فَهَل يحل لَهُ الْمحرم أم لَا حَتَّى يصل إِلَى أدنى الرمق قَولَانِ فَقَالَ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة الْأَظْهر الْحل وَلَا يشْتَرط فِيمَا يخَاف مِنْهُ تَيَقّن وُقُوعه لَو لم يَأْكُل بل يَكْفِي غَلَبَة الظَّن فَإِذا انْتهى إِلَى الْحَالة الَّتِي يُبَاح لَهُ فِيهَا الْأكل فَمَاذَا يَأْكُل أما أكله مَا يسد بِهِ الرمق فَلَا خلاف فِي ذَلِك
وَلَا تحل لَهُ الزِّيَادَة على الشِّبَع بِلَا خلاف وَفِي حل الشِّبَع أَقْوَال ثَالِثهَا إِن كَانَ قَرِيبا من الْعمرَان لم يجز وَإِلَّا جَازَ وَرجح الْقفال وَكثير من الْأَصْحَاب الْمَنْع وَرجح الرَّوْيَانِيّ وَغَيره الْحل كَذَا أطلق الْخلاف أَكْثَرهم وَفصل الإِمَام وَالْغَزالِيّ تَفْصِيلًا
حَاصله إِن كَانَ فِي بادية وَخَافَ إِن ترك الشِّبَع أَن لَا يقطعهَا وَيهْلك وَجب الْقطع بالشبع وَإِن كَانَ فِي بلد وتوقع الْحَلَال قبل عود الضَّرُورَة وَجب الْقطع بالاقتصار على سد الرمق وَإِن كَانَ لَا يظْهر حُصُول طَعَام حَلَال وَأمكنهُ الرُّجُوع إِلَى الْمحرم مرّة بعد أُخْرَى إِن لم يجد الْحَلَال فَهُوَ مَوضِع الْخلاف وَقد اخْتلف تَرْجِيح الشَّيْخَيْنِ فِي ذَلِك وَبِالْجُمْلَةِ فَالصَّحِيح أَنه يَأْكُل مَا يسد الرمق لِأَنَّهُ بعد سد الرمق غير مُضْطَر فَزَالَ الحكم بِزَوَال علته لِأَن الْقَاعِدَة المقررة أَن الحكم يَدُور مَعَ الْعلَّة وجودا وعدماً قَالَ السّديّ قَوْله تَعَالَى {وَلا عَادٍ} أَي فِي الِاسْتِيفَاء إِلَى حد الشِّبَع وَمن قَالَ بالشبع علل بِأَنَّهُ طَعَام جَازَ مِنْهُ مَا يسد الرمق فَجَاز قدر الشِّبَع كالمذكى والاضطرار عِلّة لابتداء الْأكل دون استدامته كَمَا أَن فقد طول الْحرَّة عِلّة لابتداء نِكَاح الْأمة دون استدامته وعَلى هَذَا فَلَيْسَ المُرَاد بالشبع أَن يمتلئ حَتَّى لَا يبْقى للطعام مساغ فَإِن هَذَا حرَام بِلَا خلاف وَلَكِن المُرَاد أَن يَأْكُل حَتَّى يكسر سُورَة الْجُوع بِحَيْثُ لَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم جَائِع وَاعْلَم أَن الرَّافِعِيّ جزم فِي الْمُحَرر بِمَا فَصله الإِمَام وَالْغَزالِيّ وَهل لَهُ أَن يتزود من الْميتَة إِن لم يرج الْوُصُول إِلَى الْحَلَال فَلهُ التزود وَإِن رجا فَفِيهِ خلاف الْأَصَح فِي شرح الْمُهَذّب وَزِيَادَة الرَّوْضَة الْجَوَاز وَالله أعلم قَالَ
(وميتتان حلالان السّمك وَالْجَرَاد)
وَاعْلَم أَن الْحَيَوَان ثَلَاثَة أَقسَام
الأول مَا لَا يُؤْكَل فَهَذَا ميتَته وذبيحته سَوَاء
الْقسم الثَّانِي حَيَوَان مَأْكُول وَلَا تحل ميتَته فَهَذَا لَا يحل إِلَّا بالتذكية الْمُعْتَبرَة على مَا مر
الْقسم الثَّالِث حَيَوَان مَأْكُول تحل ميتَته وَهُوَ السّمك وَالْجَرَاد وَاحْتج لَهُ بِحَدِيث
ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ أحلّت لنا ميتَتَانِ الْحُوت وَالْجَرَاد ويحتج للسمك بقوله تَعَالَى {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} وَهل يحل أكل السّمك الصغار إِذا شويت وَلم يشق جوفها وَلم يخرج مَا فِيهِ وَجْهَان صحّح جمَاعَة التَّحْرِيم بِسَبَب مَا فِي الْجوف فَإِنَّهُ نجس وينجس مَا يقلى بِهِ وَوجه الْجَوَاز مشقة تتبعها قَالَ الرَّافِعِيّ وعَلى الْمُسَامحَة جرى الْأَولونَ وَقَالَ فِي الطَّاهِر أطبقوا على أكل المملح مِنْهُ وَلَو وجدت سَمَكَة فِي جَوف سَمَكَة فَهِيَ حَلَال كَمَا لَو مَاتَت حتف أنفها وَلَو تقطعت سَمَكَة فِي جَوف سَمَكَة وَتغَير لَوْنهَا لم تحل على الْأَصَح لِأَنَّهَا كالروث وَيكرهُ ذبح السّمك إِلَّا أَن يكون كَبِيرا تطول حَيَاته فَيُسْتَحَب ذبحه على الْأَصَح إراحة لَهُ وَلَو ابتلع سَمَكَة حَيَّة أَو قطع فلقَة مِنْهَا لم تحرم على الْأَصَح لَكِن تكره وطرد الْوَجْهَانِ فِي الْجَرَاد وَلَو ذبح
من لَا تحل ذَكَاته سَمَكَة حلت لِأَن نهايته إِنَّهَا ميتَة وميتتها حَلَال وَيحرم القاء السّمك فِي الزَّيْت الْحَار قبل مَوته عَافَانَا الله من عَذَابه
(فرع) حَيَوَان الْبَحْر إِذا خرج مِنْهُ مَالا يعِيش إِلَّا عَيْش الْمَذْبُوح كالسمك بأنواعه فَهُوَ حَلَال وَلَا حَاجَة إِلَى ذبحه وَسَوَاء مَاتَ بِسَبَب ظَاهر كصدمة أَو ضرب الصياد أَو غَيره أَو مَاتَ حتف أَنفه وَأما مَا لَيْسَ على صُورَة السموك الْمَشْهُورَة فَفِيهِ ثَلَاث مقالات أَصَحهَا الْحل وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَاحْتج بِهِ بِعُمُوم قَوْله تَعَالَى {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} وَبِقَوْلِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْحل ميتَته وَقد نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ على أَنه قَالَ يُؤْكَل فار المَاء خِنْزِير المَاء قَالَ النَّوَوِيّ فِي أصل الرَّوْضَة الْأَصَح أَن السّمك يَقع على جَمِيعهَا فعلى الصَّحِيح هَل يشْتَرط الذَّكَاة الرَّاجِح لَا وَتحل ميتَته كالسمك وَاحْتج لذَلِك بقول الصّديق رَضِي الله عَنهُ كل دَابَّة تَمُوت فِي الْبَحْر فقد ذكاها الله تَعَالَى لكم نعم قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ إِن كَانَ فِيهِ مَا يطول خُرُوج روحه كإبل المَاء وبقره لم يكره ذبحه إراحة لَهُ وَيسْتَثْنى من ذَلِك التمساح لِأَنَّهُ يتقوى بنابه وَالله أعلم
(فرع) يحرم الضفدع والسرطان والسلحفاة على الرَّاجِح وَالله أعلم
(فرع) صَاد سَمَكَة فِي بَطنهَا درة هَل يملك الدرة ينظر إِن كَانَت مثقوبة فالدرة لقطَة وَلَا يملكهَا إِلَّا بطريقة على مَا مر فِي اللّقطَة وَإِن كَانَت غير مثقوبة ملكهَا مَعَ السَّمَكَة وَالله أعلم قَالَ