زاوية العلوم نسخة تجريبية
كفاية الأخيار في حل غاية الإختصار › كتاب الجهاد

باب الغنيمة

بَاب الْغَنِيمَة فصل وَمن قتل قَتِيلا أعطي سلبه وتقسم الْغَنِيمَة بعد ذَلِك فَيعْطى أَرْبَعَة أخماسها لمن شهد الْوَقْعَة للفارس ثَلَاثَة أسْهم وللراجل سهم

من غرر بِنَفسِهِ وَهُوَ من أهل السهْمَان فِي قتل كَافِر ممنع فِي حَال الْقِتَال اسْتحق سلبه سَوَاء شَرط لَهُ الإِمَام ذَلِك أم لَا لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قتل قَتِيلا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة فَلهُ سلبه وَورد أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ من قتل كَافِرًا فَلهُ سلبه فَقتل أَبُو طَلْحَة يَوْمئِذٍ عشْرين رجلا وَأخذ أسلابهم وَلَا فرق بَين أَن يقْتله مبارزة أَو انغمر فِي الصَّفّ فَقتله أَو جَاءَهُ من وَرَائه وَهُوَ يُقَاتل فَقتله لِأَن أَبَا قَتَادَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ خرجت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم خَيْبَر فَرَأَيْت رجلا من الْمُشْركين قد علا رجلا من الْمُسلمين فاستدرت حَتَّى أَتَيْته من وَرَائه فضربته على حَبل عَاتِقه ضَرْبَة فَأقبل عَليّ فضمني ضمة

وجدت مِنْهَا ريح الْمَوْت ثمَّ أدْركهُ الْمَوْت فأرسلني إِلَى أَن قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قتل قَتِيلا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة فَلهُ سلبه فَقُمْت فقصصت الْقِصَّة فَقَالَ رجل صدق يَا رَسُول الله قَالَ فأعطه فاعطانيه فابتعت بِهِ مخرفاً فِي بني سَلمَة فَإِنَّهُ أول مَال تأثلته فِي الْإِسْلَام المخرف بِفَتْح الْمِيم الْبُسْتَان وبكسرها مَا يجنى فِيهِ الثِّمَار وَفِي معنى الْقَتْل مَا إِذا أَزَال كِفَايَة شَره بِأَن أثخنه أَو أَزَال امْتِنَاعه بعمي أَو قطع يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ أَو يَدَيْهِ وَرجله فِي الْأَظْهر لَا قطع يَد أَو رجل وَلَو أسره اسْتحق سلبه فِي الْأَظْهر لِأَنَّهُ كفى شَره وَلَو لم يكن من أهل السهْمَان إِلَّا أَنه من أهل الرصخ كَالْعَبْدِ وَالصَّبِيّ وَالْمَرْأَة وَكَذَا الْكَافِر وَحضر بِإِذن الإِمَام فَإِنَّهُ يسْتَحق السَّلب على الْأَصَح إِلَّا الْكَافِر على الْمَذْهَب وَلَو اشْترك جمَاعَة فِي قتل وَاحِد اشْتَركُوا فِي سلبه وَالسَّلب هُوَ مَا على الْقَتِيل من ثِيَاب وخف وآلات حَرْب كدرع ومغفر وَسلَاح ومركوب يُقَاتل عَلَيْهِ أَو ماسكاً عنانه وَيُقَاتل رَاجِلا وَمَا على المركوب من سرج ولجام ومقود وَغَيرهَا وَكَذَا طوق وسوار ومنطقة وهميان وَنَفَقَة فِيهِ وجنيبة يُقَاد مَعَه فِي الْأَظْهر لَا حقيبة مشدودة على الْفرس وَمَا فِيهَا من دَرَاهِم وأمتعة على الْمَذْهَب وَلَا ثِيَاب وأمتعة خَلفه فِي الْخَيْمَة فَإِذا أَخذ السَّلب فَلَا يُخَمّس على الْمَذْهَب ثمَّ بعده يخرج الإِمَام أَو نَائِبه الْمُؤَن اللَّازِمَة كَأُجْرَة حمال وحافظ وَغَيرهمَا ثمَّ يَجْعَل الْبَاقِي خَمْسَة أَقسَام مُتَسَاوِيَة وَيَأْخُذ خمس رقاع يكْتب على وَاحِدَة لله أَو للْمصَالح وعَلى أَربع للغانمين ويدرجها فِي بَنَادِق من طين وَيخرج لكل قسم رقْعَة بعد الْخَلْط فَمن خرج عَلَيْهِ أسْهم الله تَعَالَى جعله بَين أهل الْخمس على خَمْسَة وَمِنْه يكون النَّفْل فِي الْأَصَح وَيقسم الْبَاقِي على الْغَانِمين لقَوْله تَعَالَى {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} الْآيَة فَإِذا خرج سهم الْخمس صَار الْبَاقِي للغانمين وَهَذَا الْآيَة نَظِير قَوْله تَعَالَى {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُث} أَي وَلأبي الْبَاقِي فيعطي للراجل سهم وللفارس ثَلَاثَة أسْهم لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فعل ذَلِك يَوْم خَيْبَر وَفِي رِوَايَة دَاوُد أسْهم لرجل ولفرسه ثَلَاثَة أسْهم سَهْمَيْنِ لفرسه وَسَهْما لَهُ وَفِي لفظ جعل للْفرس سَهْمَيْنِ ولصاحبه سَهْما وَفِي رِوَايَة ابْن عمر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قسم يَوْم خَيْبَر للْفرس سَهْمَيْنِ وللراجل سَهْما وَفَسرهُ نَافِع مولى ابْن عمر فَقَالَ إِذا كَانَ مَعَ الرجل فرس

فَلهُ ثَلَاثَة أسْهم فَإِن لم يكن لَهُ فرس فَلهُ سهم

وَالْمرَاد بالفارس هُنَا من حضر الْوَقْعَة وَهُوَ من أهل فرض الْقِتَال بفرس يُقَاتل عَلَيْهِ مهيئاً لِلْقِتَالِ سَوَاء كَانَ عتيقاً أَو برذوناً أَو هجيناً أَو مقرفاً سَوَاء قَاتل عَلَيْهِ أم لَا لعدم الْحَاجة إِلَيْهِ وَكَذَا لَو قَاتل على حِصَار حصن أسْهم لفرسه لِأَنَّهُ أعده ليلحق بِهِ أهل الْحصن لَو هربوا وَكَذَا لَو قَاتل فِي الْبَحْر يُسهم لفرسه لِأَنَّهُ رُبمَا انْتقل إِلَى الْبر فقاتل عَلَيْهِ نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْأُم وَحمله ابْن كج على مَا إِذا قربوا من السَّاحِل وَاحْتمل أَن يخرج ويركب أما إِذا لم يحْتَمل الْحَال الرّكُوب فَلَا معنى لاعطاء الْفرس وَنَحْوه وَالله أعلم قَالَ

(وَلَا يُسهم إِلَّا لمن استكملت فِيهِ خمس شَرَائِط الاسلام وَالْبُلُوغ وَالْعقل وَالْحريَّة والذكورة فَإِن اخْتَلَّ شَرط من ذَلِك رضخ لَهُ وَلم يُسهم)

لَا سهم لهَؤُلَاء لأَنهم لَيْسُوا من أهل فرض الْجِهَاد وَأما الرضخ فلفعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أما الْكفَّار إِذا حَضَرُوا بِإِذن الإِمَام فَإِنَّهُ يرْضخ لَهُم إِذا لم يستأجروا لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام اسْتَعَانَ بيهود بني فينقاع فرضخ لَهُم وَلم يُسهم فَإِن حضر بِغَيْر إِذن الإِمَام لم يرْضخ لَهُ على الْأَصَح لِأَنَّهُ مُتَّهم فِي مُوالَاة أهل دينه بل للْإِمَام تعزيره إِن رأى ذَلِك وَأما الصَّبِي فَإِنَّهُ يرْضخ لَهُ سَوَاء أذن لَهُ الإِمَام أم لَا لِأَنَّهُ حصل بِهِ نفع وتكثير سَواد وَلَفظ الشَّافِعِي دَال على أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أرضخ لَهُ وَلَا يُسهم لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل فرض الْجِهَاد وَفِي الْحَاوِي للماوردي إِلْحَاق الْمَجْنُون بِالصَّبِيِّ وَادّعى أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أرضخ لَهُ وَأما العَبْد فَلَا يُسهم لَهُ ويرضخ لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل فرض الْجِهَاد وَفِيه نفع قوي وتكثير وَقد رضخ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لغمير مولى أبي اللخم يَوْم خَيْبَر وَلم يُسهم لَهُ وَأما الْعقل فقد مر حكم الْمَجْنُون وَأما الْمَرْأَة فَلَا يُسهم لَهَا فَإِنَّهَا لَيست من أهل فرض الْجِهَاد نعم يرْضخ لَهَا سَوَاء كَانَ لَهَا زوج أم لَا وَسَوَاء أذن الإِمَام أم لَا لِأَن كتاب ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا إِلَى نجدة قد كن يحضرن الْحَرْب مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَما أَن يضْرب لَهُنَّ بِسَهْم فَلَا وَقد كَانَ يرْضخ لَهُنَّ وَالله أعلم قَالَ

(وَيقسم الْخمس على خَمْسَة أسْهم سهم لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيصرف بعده للْمصَالح وَسَهْم لِذَوي الْقُرْبَى وهم بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب وَسَهْم لِلْيَتَامَى وَسَهْم للْمَسَاكِين وَسَهْم لأبناء السَّبِيل)

قد مر أَن الْغَنِيمَة تخمس وَأَن الْخمس الْوَاحِد يكْتب عَلَيْهِ لله عز وَجل أَو للْمصَالح فَهَذَا الْخمس يُخَمّس أَيْضا لقَوْله {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} الْآيَة فأضيف لله وَلِلرَّسُولِ ولبقية الْأَصْنَاف وَصدر بِذكر الله تَعَالَى تبركاً وَقيل ليعلم أَنه لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اختصاصاً يسْقط بِمَوْتِهِ وَقد رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ يقسم الْخمس أَيْضا أَخْمَاسًا سهم لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ ينْفق مِنْهُ على نَفسه الْكَرِيمَة وعَلى عِيَاله ومصالحه وَمَا فضل جعله فِي السِّلَاح عدَّة فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَسَائِر الْمصَالح وَيصرف بعده للمصالخ لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَالْخمس مَرْدُود فِيكُم وَلَا يُمكن رده إِلَى جَمِيع الْمُسلمين إِلَّا بجعله فِي الْمصَالح وأهمها سد الثغور بِالرِّجَالِ وَالْعدَد وإصلاحها لِأَن فِيهَا حفظ الْمُسلمين والثغور مَوَاضِع الْخَوْف ثمَّ الأهم فالأهم من أرزاق الْقُضَاة والمؤذنين وَغَيرهم من الْمصَالح قَاتل الله الْفُقَهَاء المؤازرين لِلْأُمَرَاءِ الجورة الَّذين لم يزَالُوا يَمْشُونَ إِلَيْهِم ويقرونهم على مُخَالفَة الشَّرِيعَة حَتَّى أماتوا الْعَمَل بِكَلَام الله وَكَلَام رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مثل ذَلِك وَغَيره وَالله أعلم

السهْم الثَّانِي من الْخمس لِذَوي الْقُرْبَى وهم أقرباء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهم بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب دون غَيرهم لما روى جُبَير بن مطعم رَضِي الله عَنهُ قَالَ مشيت أَنا وَعُثْمَان بن عَفَّان إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقُلْنَا أَعْطَيْت بني هَاشم وَبني الْمطلب من خمس خَيْبَر وَتَرَكتنَا وَنحن وهم بِمَنْزِلَة وَاحِدَة مِنْك فَقَالَ إِنَّمَا بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب شَيْء وَاحِد فَقَالَ جُبَير وَلم يقسم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لبني عبد شمس وَبني نَوْفَل شَيْئا وَجبير من بني نَوْفَل وَعُثْمَان من بني عبد شمس وَرَسُول لله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من بني هَاشم وهَاشِم وَالْمطلب وَنَوْفَل وَعبد شمس هم أَوْلَاد عبد منَاف وَالله أعلم

السهْم الثَّالِث لِلْيَتَامَى الْفُقَرَاء لِأَن ذَلِك شرع إرفاقاً فَكَانَ لمن يتَوَجَّه إِلَيْهِم المعونة وَالرَّحْمَة وهم الْفُقَرَاء دون الْأَغْنِيَاء وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَقيل يشْتَرك فِيهِ الْأَغْنِيَاء والفقراء كذوي الْقُرْبَى

ولإطلاق الْآيَة وَلِأَنَّهُ لَو اعْتبر فيهم الْفقر لدخلوا فِي جملَة الْمَسَاكِين وَهَذَا ضَعِيف جدا لِأَن غَنِي الْيَتِيم بِالْمَالِ فَوق غناهُ بِالْأَبِ وَمَعَ الْأَب لَا يعْطى فَكَذَا مَعَ المَال فعلى الصَّحِيح لَا تجب التَّسْوِيَة بل يجوز تَفْضِيل بَعضهم على بعض بِالِاجْتِهَادِ وَلَا التَّعْمِيم بِخِلَاف بني هَاشم وَبني الْمطلب فَإِنَّهُ يجب تعميمهم وَيُعْطى الذّكر مثل حَظّ الانثيين لِأَن سهمهم مُسْتَحقّ بِالشَّرْعِ بِقرَابَة الْأَب فَأشبه الأرث واليتيم اسْم لصغير لَا أَب لَهُ عِنْد الْجُمْهُور وَقيل لَا أَب لَهُ وَلَا جد وَالله أعلم

السهْم الرَّابِع للْمَسَاكِين لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة ويندرج فِيهِ الْفُقَرَاء وَالأَصَح أَنه عَام لجَمِيع الْمَسَاكِين وَقيل يخْتَص بِهِ مَسَاكِين الْمُجَاهدين الَّذين عجزوا عَنهُ لمسكنة أَو زمانة فعلى الصَّحِيح يجوز أَن يخْتَص بِهِ الْبَعْض وَيجوز التَّفْصِيل وَيجوز لَهُم الْجمع بَينه وَبَين الزَّكَاة وَالْكَفَّارَة قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَجزم الرَّافِعِيّ بِمَنْع الِاقْتِصَار على ثَلَاثَة مِنْهُم وَكَذَا فِي بني السَّبِيل وَالله أعلم

(فرع) لَو كَانَ الْيَتِيم مِسْكينا أعْطى بِسَهْم الْيَتِيم لِأَنَّهُ صفة لَازِمَة والمسكنة زائلة قَالَه الْمَاوَرْدِيّ قلت وَفِيه نظر لِأَن الْيُتْم صفة مُحَققَة الزَّوَال عِنْد الْحَيَاة لَا محَالة بِالْبُلُوغِ والمسكنة قد تستمر إِلَى الْمَمَات إِلَّا أَن يَزُول اللُّزُوم فِي الْحَال وَالله أعلم

السهْم الْخَامِس لِابْنِ السَّبِيل لِلْآيَةِ وَيصرف إِلَيْهِم على قدر حَاجتهم كَالزَّكَاةِ فَلَا بُد فِيهِ من الْحَاجة عِنْد الدّفع ويعم جَمِيع أَبنَاء السَّبِيل على الرَّاجِح وَقيل يخْتَص بأبناء السَّبِيل من الْمُجَاهدين قَالَ