زاوية العلوم نسخة تجريبية
كفاية الأخيار في حل غاية الإختصار › كتاب الحدود

باب حد القذف

بَاب حد الْقَذْف فصل فِي الْقَذْف وَإِذا قذف غَيره بِالزِّنَا فَعَلَيهِ حد الْقَذْف

الْقَذْف الرَّمْي وَمِنْه فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ وَالْمرَاد بِهِ هُنَا الرَّمْي بِالزِّنَا على وَجه التَّعْزِير وَهُوَ من الْكَبَائِر وَيتَعَلَّق بِهِ الْحَد بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ

(وشرائطه ثَمَانِيَة ثَلَاثَة فِي الْقَاذِف أَن يكون بَالغا عَاقِلا وَأَن لَا يكون وَالِد الْمَقْذُوف)

لَا يحد الصَّبِي وَالْمَجْنُون إِذا قذفا لحَدِيث رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة وبالقياس على الزِّنَا وَالسَّرِقَة قَالَ الرَّافِعِيّ تبعا لِلْبَغوِيِّ ويعزران إِذا كَانَ لَهما تَمْيِيز وَأطلق الْبَنْدَنِيجِيّ أَنه لَا شَيْء عَلَيْهِمَا وَفِي الْحَاوِي أَنه إِن كَانَ الصَّبِي مراهقاً يُؤْذِي قذف مثله عزّر وَإِلَّا فَلَا وَيشْتَرط لوُجُوب الْحَد أَن لَا يكون الْقَاذِف أصلا كَالْأَبِ وَالأُم وَإِن عليا لِأَنَّهُ إِذا لم يقتل الأَصْل بِهِ فَعدم حَده بقذفه أولى نعم يُعَزّر لِأَن الْقَذْف أَذَى وَقَالَ أَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر يحد لظَاهِر الْقُرْآن لكنه يكره لَهُ اقامته وَيشْتَرط أَيْضا أَن يكون الْقَاذِف مُخْتَارًا فَلَو أكره على قذف الْغَيْر فَلَا حد للْحَدِيث الْمَشْهُور وَالله أعلم قَالَ

(وَخَمْسَة فِي الْمَقْذُوف أَن يكون مُسلما بَالغا عَاقِلا حرا عفيفاً)

شَرط وجوب الْحَد فِي الْقَذْف أَن يكون الْمَقْذُوف مُحصنا كَمَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَة الْكَرِيمَة فِي قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} الْآيَة وشروط الاحصان الاسلام وَالْبُلُوغ وَالْعقل وَالْحريَّة والعفة عَن الزِّنَا فَإِذا قذف كَافِرًا أَو صَغِيرا أَو مَجْنُونا أَو عبدا أَو فَاجِرًا يَعْنِي زَانيا فَلَا حد لعدم الاحصان الَّذِي دلّت عَلَيْهِ الْآيَة الْكَرِيمَة نعم يُعَزّر للايذاء وَالله أعلم قَالَ

(وَيحد الْحر ثَمَانِينَ سَوْطًا وَالْعَبْد أَرْبَعِينَ)

إِذا قذف الْبَالِغ الْعَاقِل الْمُخْتَار وَهُوَ مُسلم أَو ذمِّي أَو مستأمن أَو مُرْتَد مُحصنا لَيْسَ بوالد وَجب عَلَيْهِ الْحَد للنَّص وَالْإِجْمَاع ثمَّ إِن كَانَ حرا جلد ثَمَانِينَ قَالَ الله تَعَالَى {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة} وَرُوِيَ عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت لما نزل عذرى قَامَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتلا الْقُرْآن وَأمر بِالرجلَيْنِ وَالْمَرْأَة فَضربُوا وهم حسان ومسطح وَحمْنَة قَالَ الطَّحَاوِيّ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ وَلِأَن الْقَذْف بِالزِّنَا أقل من الزِّنَا فَكَانَ أقل مِنْهُ حدا وَالله أعلم

وَإِن كَانَ الْقَاذِف رَقِيقا جلد أَرْبَعِينَ سَوَاء كَانَ قِنَا أَو مُدبرا أَو مكَاتبا أَو أم ولد أَو مبعضاً لِأَن أَبَا بكر وَعمر وعلياً رَضِي الله عَنْهُم وَمن بعدهمْ كَانَا لَا يضْربُونَ إِلَّا أَرْبَعِينَ وَلم يخالفهم أحد وَلِأَنَّهُ حد يَتَبَعَّض فَكَانَ العَبْد فِيهِ على النّصْف كَحَد الزِّنَا

فَإِن قلت الْآيَة مُطلقَة قلت فِي الْجَواب المُرَاد الْأَحْرَار بِدَلِيل قَوْله سُبْحَانَهُ {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} وَالْعَبْد لَا تقبل شَهَادَته وَإِن لم يقذف وَالله أعلم قَالَ

(وَيسْقط حد الْقَذْف بِثَلَاثَة أَشْيَاء إِقَامَة الْبَيِّنَة أَو عَفْو الْمَقْذُوف أَو اللّعان فِي حق الزَّوْجَة)

إِذا قذف الشَّخْص من يجب الْحَد بقذفه فلإسقاط الْحَد عَنهُ ثَلَاث طرق مِنْهَا إِقَامَة الْبَيِّنَة سَوَاء كَانَ الْمَقْذُوف زَوْجَة أَو أَجْنَبِيَّة أما غير الزَّوْجَة فَلقَوْله تَعَالَى {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ} أمرنَا بِالْجلدِ عِنْد عدم اقامة الْبَيِّنَة وَأما فِي الزَّوْجَة فَلِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لهِلَال بن أُميَّة لما قذف زَوجته عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِشريك بن السمحاء الْبَيِّنَة أَو حد فِي ظهرك كرر ذَلِك مرَارًا ثمَّ أنزل الله تَعَالَى آيَة اللّعان فَصَارَ للزَّوْج طَرِيقَانِ فِي اسقاط حد الْقَذْف بِالْبَيِّنَةِ وَاللّعان بِالنَّصِّ وَأما السُّقُوط بِالْعَفو فَلِأَن الْحَد حق الْمَقْذُوف وَلِهَذَا لَا يسْتَوْفى إِلَّا بِإِذْنِهِ ومطالبته فَجَاز لَهُ الْعَفو عَنهُ فَإِذا عَفا سقط لِأَنَّهُ مَحْض حق كَالْقصاصِ وَالله أعلم

(فرع) قذف شخص آخر فطالبه الْمَقْذُوف بِالْحَدِّ فَقَالَ الْقَاذِف قَذَفته وَهُوَ مَجْنُون فَقَالَ بل قذفتني وَأَنا عَاقل وَعرف لَهُ حَال جُنُون فَالْقَوْل على الرَّاجِح لِأَن مَا يَدعِيهِ كل مِنْهُمَا مُمكن وَالْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة فَإِن حلف الْقَاذِف عزّر إِن طلب الْمَقْذُوف تعزيره وَلَو قذف شخصا وَهُوَ عفيف وَلم يحد الْقَاذِف حَتَّى زنى الْمَقْذُوف لم يحد لسُقُوط حصانته وَلِأَن ظُهُور زِنَاهُ يدل على تكرره فَلم يحد الْقَاذِف وَقد رُوِيَ أَنه حمل إِلَى عمر رَضِي الله عَنهُ زَان فَقَالَ وَالله مَا زَنَيْت قبلهَا فَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ كذبت إِن الله لَا يفضح عَبده بِأول مَعْصِيّة وَالله أعلم قَالَ