بَاب الشّركَة فصل وللشركة خمس شَرَائِط أَن تكون على ناض من الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَأَن يتَّفقَا فِي الْجِنْس وَالنَّوْع وَأَن يخلطا الْمَالَيْنِ وَأَن يَأْذَن كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه فِي التَّصَرُّف وَأَن يكون الرِّبْح والخسران على قدر الْمَالَيْنِ
الشّركَة فِي اللُّغَة الِاخْتِلَاط وَفِي الشَّرْع عبارَة عَن ثُبُوت الْحق فِي الشَّيْء الْوَاحِد لشخصين فَصَاعِدا على جِهَة الشُّيُوع
وَالْأَصْل فِيهَا قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(يَقُول الله تَعَالَى أَنا ثَالِث الشَّرِيكَيْنِ مَا لم يخن أَحدهمَا صَاحبه فَإِذا خانه خرجت من بَينهم) وَمَعْنَاهُ تنْزع الْبركَة من مَالهمَا ثمَّ الشّركَة أَنْوَاع نذْكر نَوْعَيْنِ
أَحدهمَا شركَة الابدان وَهِي بَاطِلَة كشركة الحمالين وَسَائِر المحترفين ليَكُون كسبهما بَينهمَا سَوَاء كَانَ مُتَسَاوِيا أَو متفاوتاً وَسَوَاء اتّفق السَّبَب كالدلالين والحطابين أَو اخْتلفَا كالخياط
والرفا وَوجه بُطْلَانهَا أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا متميز بِبدنِهِ ومنافعه فَيخْتَص بفوائده كَمَا لَو اشْتَركَا فِي ماشيتهما وَهِي متميزة ليَكُون الدّرّ والنسل بَينهمَا وَجوز شركَة الْأَبدَان عِنْد اتِّحَاد الصَّنْعَة مَالك رَحمَه الله وجوزها أَبُو حنيفَة مُطلقًا وَدَلِيلنَا عَلَيْهَا مَا سلماه من الِامْتِنَاع فِي الِاصْطِيَاد والاحتطاب
النَّوْع الثَّانِي شركَة الْعَنَان وَهِي صَحِيحَة للْحَدِيث السَّابِق وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على صِحَّتهَا وَهِي مَأْخُوذَة من عنان الدَّابَّة لِاسْتِوَاء الشَّرِيكَيْنِ فِي ولَايَة الْفَسْخ وَالتَّصَرُّف وَاسْتِحْقَاق الرِّبْح على قدر المَال كاستواء طرفِي الْعَنَان ثمَّ لصحتها شُرُوط
أَحدهَا أَن تكون على ناض من الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على صِحَّتهَا فِي الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير نعم فِي جَوَازهَا على المغشوشة وَجْهَان أصَحهمَا فِي زِيَادَة الرَّوْضَة الْجَوَاز أَيْضا
الثَّانِي لَا كالقراض ثمَّ هَذَا لَا يخْتَص بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِير بل يجوز عقد الشّركَة على مثلي فَتَصِح فِي الْقَمْح وَالشعِير وَنَحْوهمَا لِأَن الْمثْلِيّ إِذا اخْتَلَط بِجِنْسِهِ ارْتَفع التَّمْيِيز فَأشبه النَّقْدَيْنِ وَلِهَذَا لَا تجوز الشّركَة فِي المتقومات لعدم تصور الْخَلْط النَّافِي للتمييز وَلِهَذَا لَو تلف أحد المتقومين أَو بعضه عرف فامتنعت الشّركَة لذَلِك وَإِلَّا لأخذ أحد الشَّرِيكَيْنِ من مَال الآخر بِلَا حق لَو صححنا الشّركَة فِي الْمُتَقَوم
الشَّرْط الثَّانِي أَن يتَّفقَا فِي الْجِنْس فَلَا تصح الشّركَة فِي الدَّرَاهِم وَالذَّهَب وَكَذَا فِي الصّفة فَلَا تصح فِي الصِّحَاح والمكسرة للتمييز فيهمَا
الشَّرْط الثَّالِث الْخَلْط لِأَن المَال قبل التَّمْيِيز فِيهِ حَاص وَيشْتَرط فِي الْخَلْط أَن لَا يبْقى مَعَه تَمْيِيز وَيَنْبَغِي أَن يتَقَدَّم الْخَلْط على العقد وَالْإِذْن فَلَو اشْتَركَا فِي ثَوْبَيْنِ من غزل وَاحِد والصانع وَاحِد لم تصح الشّركَة لتمييز أَحدهمَا عَن الآخر وَعدم معرفَة كل مِنْهُمَا ثوب يُقَال لَهُ اشْتِبَاه وَيُقَاس بِهَذَا أَمْثَاله ثمَّ هَذَا الْخَلْط إِنَّمَا يعْتَبر عِنْد انْفِرَاد الْمَالَيْنِ أما لَو كَانَ مشَاعا بِأَن اشترياه مَعًا على الشُّيُوع أَو ورثاه فَإِنَّهُ كَاف لحُصُول الْمَقْصُود وَهُوَ عدم التَّمْيِيز
الشَّرْط الرَّابِع الْإِذْن مِنْهُمَا فِي التَّصَرُّف فَإِذا وجد من الطَّرفَيْنِ تسلط كل وَاحِد مِنْهُمَا على التَّصَرُّف وَاعْلَم أَن تصرف الشَّرِيك كتصرف الْوَكِيل فَلَا يَبِيع بِغَيْر نقد الْبَلَد وَلَا يَبِيع بالأجل وَلَا يَبِيع وَلَا يَشْتَرِي بِغَبن فَاحش وَكَذَا لَا يُسَافر إِلَّا بِإِذن الشَّرِيك
الشَّرْط الْخَامِس أَن يكون الرِّبْح على قدر الْمَالَيْنِ سَوَاء تَسَاويا فِي الْعَمَل أَو تَفَاوتا لِأَنَّهُ لَو جعلنَا شَيْئا من الرِّبْح فِي مُقَابلَة الْعَمَل لاختلط عقد الْقَرَاض بِعقد الشّركَة وَهُوَ مَمْنُوع فَلَو شرطا التَّسَاوِي فِي الرِّبْح مَعَ تفاضل الْمَالَيْنِ فسد العقد لِأَنَّهُ مُخَالف لوضع الشّركَة وَيرجع كل وَاحِد
مِنْهُمَا على صَاحبه بِأُجْرَة عمله كالقراض إِذا فسد فَإِنَّهُ يرجع الْعَامِل بِأُجْرَة عمله وَالتَّصَرُّف نَافِذ لوُجُود الْأذن وَالرِّبْح يكون على قدر الْمَالَيْنِ وَكَذَا الخسران كالربح وَيُؤْخَذ من كَلَام الشَّيْخ أَنه لَا يشْتَرط تَسَاوِي الْمَالَيْنِ وَهُوَ كَذَلِك على الصَّحِيح وَقَالَ الْأنمَاطِي يشْتَرط تساويهما لصِحَّة الشّركَة وَهُوَ ضَعِيف وَالله أعلم
(فرع) الْحِيلَة فِي الشّركَة فِي غير الْمِثْلِيَّات من المتقومات أَن يَبِيع كل وَاحِد مِنْهُمَا بعض عرضه بِبَعْض عرض الآخر ويتقابضا ثمَّ يَأْذَن كل مِنْهُمَا للْآخر فِي التَّصَرُّف وَالله أعلم قَالَ
وَلكُل مِنْهُمَا فَسخهَا مَتى شَاءَ وَمَتى مَاتَ أَحدهمَا بطلت)
عقد الشّركَة جَائِز من الطَّرفَيْنِ وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا فَسخه مَتى شَاءَ لِأَنَّهُ عقد إرفاق فَكَانَ جَائِزا كَالْوكَالَةِ وكما أَنه لكل مِنْهُمَا فَسخه فَلِكُل مِنْهُمَا عزل نَفسه وعزل صَاحبه فَلَو قَالَ أَحدهمَا للْآخر عزلتك انْعَزل وَبَقِي العازل على حَاله وَلَو مَاتَ أَحدهمَا انْفَسَخت كَالْوكَالَةِ وَالْجُنُون وَالْإِغْمَاء كالموت لِخُرُوجِهِ عَن أَهْلِيَّة التَّصَرُّف وَالله أعلم
(فرع) لشخص دَابَّة وَللْآخر بَيت وَللْآخر طاحون وَآخر لَا شَيْء لَهُ فَقَالُوا نشْرك هَذَا بدابته وَهَذَا ببيته وَهَذَا بحجره وَهَذَا بِعَمَلِهِ على أَن مَا فتح الله من الطحين شركَة فَهِيَ فَاسِدَة وَالله أعلم
(فرع) يَد كل من الشَّرِيكَيْنِ يَد أَمَانَة كالمستودع فَإِذا ادّعى رد المَال إِلَى شَرِيكه قبل وَكَذَا لَو ادّعى تلفاً أَو خسارة صدق فَإِن أسْند التّلف إِلَى سَبَب ظَاهر طُولِبَ بِالْبَيِّنَةِ فَإِذا أَقَامَهَا على السَّبَب صدق فِي دَعْوَى التّلف بِهِ وَلَو ادّعى أَحدهمَا خِيَانَة صَاحبه لم يسمع حَتَّى يبين قدر مَا خَان بِهِ وَالْقَوْل قَول الْمُنكر مَعَ يَمِينه وَالله أعلم قَالَ