زاوية العلوم نسخة تجريبية
قواعد العقائد › الفصل الرابع في الإيمان والإسلام وما بينهما من الاتصال والانفصال

البحث الثالث عن الحكم الشرعي

وللإسلام وَالْإِيمَان حكمان أخروي ودنيوي

أما الأخروي فَهُوَ الْإِخْرَاج من النَّار وَمنع التخليد إِذْ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

وَيخرج من النَّار من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان

وَقد اخْتلفُوا فِي هَذَا الحكم على مَاذَا يَتَرَتَّب وعبروا عَنهُ بِأَن الْإِيمَان مَاذَا هُوَ

فَمن قَائِل إِنَّه مُجَرّد العقد

وَمن قَائِل يَقُول إِنَّه عقد بِالْقَلْبِ وَشَهَادَة اللِّسَان

وَمن قَائِل يزِيد ثَالِثا وَهُوَ الْعَمَل بالأركان

وَنحن نكشف الغطاء عَنهُ ونقول

من جمع بَين هَذِه الثَّلَاثَة فَلَا خلاف فِي أَن مستقره الْجنَّة وَهَذِه دَرَجَة

والدرجة الثَّانِيَة أَن يُوجد اثْنَان وَبَعض الثَّالِث وَهُوَ القَوْل وَالْعقد وَبَعض الْأَعْمَال وَلَكِن ارْتكب صَاحبه كَبِيرَة أَو بعض الْكَبَائِر فَعِنْدَ هَذَا قَالَت للمعتزلة

خرج بِهَذَا عَن الْإِيمَان وَلم يدْخل فِي الْفِكر بل اسْمه فَاسق وَهُوَ على منزلَة بَين المنزلتين وَهُوَ مخلد فِي النَّار وَهَذَا بَاطِل كَمَا سَنذكرُهُ

الدرجَة الثَّالِثَة أَن يُوجد التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَالشَّهَادَة بِاللِّسَانِ دون الْأَعْمَال بالجوارح

وَقد اخْتلفُوا فِي حكمه فَقَالَ أَبُو طَالب الْمَكِّيّ

الْعَمَل بالجوارح من الْإِيمَان وَلَا يتم دونه وَادّعى الْإِجْمَاع فِيهِ وَاسْتدلَّ بأدلة تشعر بنقيض غَرَضه كَقَوْلِه تَعَالَى

{الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات} إِذْ هَذَا يدل على أَن الْعَمَل وَرَاء الْإِيمَان لَا من نفس الْإِيمَان وَإِلَّا فَيكون الْعَمَل فِي حكم الْمعَاد وَالْعجب أَنه ادّعى الْإِجْمَاع فِي هَذَا وَهُوَ مَعَ ذَلِك ينْقل قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

لَا يكفر إِلَّا بعد جحوده لما أقربه وينكر على الْمُعْتَزلَة قَوْلهم بالتخليد فِي النَّار بِسَبَب الْكَبَائِر وَالْقَائِل بِهَذَا قَائِل بِنَفس مَذْهَب الْمُعْتَزلَة إِذْ يُقَال لَهُ

من صدق بِقَلْبِه وَشهد بِلِسَانِهِ وَمَات فِي الْحَال فَهَل هُوَ فِي الْجنَّة

فَلَا بُد أَن يَقُول نعم

وَفِيه حكم بِوُجُود الْإِيمَان دون الْعَمَل فنزيد ونقول لَو بَقِي حَيا حَتَّى دخل عَلَيْهِ وَقت صَلَاة وَاحِدَة فَتَركهَا ثمَّ مَاتَ أَو زنى ثمَّ مَاتَ فَهَل يخلد فِي النَّار

فَإِن قَالَ نعم فَهُوَ مُرَاد الْمُعْتَزلَة وَإِن قَالَ لَا فَهُوَ تَصْرِيح بِأَن الْعَمَل لَيْسَ ركنا من نفس الْإِيمَان وَلَا شرطا فِي وجوده وَلَا فِي اسْتِحْقَاق الْجنَّة بِهِ

وَإِن قَالَ أردْت أَن يعِيش مُدَّة طَوِيلَة وَلَا يصلى وَلَا يقدم على شَيْء من الْأَعْمَال الشَّرْعِيَّة فَنَقُول فَمَا ضبط تِلْكَ الْمدَّة وَمَا عدد تِلْكَ الطَّاعَات الَّتِي بِتَرْكِهَا

يبطل الْإِيمَان وَمَا عدد الْكَبَائِر الَّتِي بارتكابها يبطل الْإِيمَان وَهَذَا لَا يُمكن التحكم بتقديره وَلم يصر إِلَيْهِ صائر أصلا

الدرجَة الرَّابِعَة أَن يُوجد التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ قبل أَن ينْطق بِاللِّسَانِ أَو يشْتَغل بِالْأَعْمَالِ وَمَات فَهُوَ نقُول مَاتَ مُؤمنا بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَهَذَا مِمَّا اخْتلف فِيهِ

وَمن شَرط القَوْل لتَمام الْإِيمَان يَقُول هَذَا مَاتَ قبل الْإِيمَان وَهُوَ فَاسد إِذْ قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

يخرج من النَّار من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان

وَهَذَا قلبه طافح الْإِيمَان فَكيف يخلد فِي النَّار وَلم يشْتَرط فِي حَدِيث جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام للْإيمَان إِلَّا بالتصديق بِاللَّه تَعَالَى وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر كَمَا سبق

الدرجَة الْخَامِسَة أَن يصدق بِالْقَلْبِ ويساعده من الْعُمر مهلة النُّطْق

بكلمتي الشَّهَادَة وَعلم وُجُوبهَا وَلكنه لم ينْطق بهَا فَيحْتَمل أَن يَجْعَل امْتِنَاعه عَن النُّطْق كامتناعه عَن الصَّلَاة ونقول

هُوَ مُؤمن غير مخلد فِي النَّار وَالْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق الْمَحْض وَاللِّسَان ترجمان الْإِيمَان فَلَا بُد أَن يكون الْإِيمَان مَوْجُودا بِتَمَامِهِ قبل اللِّسَان حَتَّى يترجمه اللِّسَان وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر إِذْ لَا مُسْتَند إِلَّا اتِّبَاع مُوجب الْأَلْفَاظ وَوضع اللِّسَان أَن الْإِيمَان هُوَ عبارَة عَن التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

يخرج من النَّار من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة

وَلَا يَنْعَدِم الْإِيمَان من الْقلب بِالسُّكُوتِ عَن النُّطْق الْوَاجِب كَمَا لَا يَنْعَدِم بِالسُّكُوتِ عَن الْفِعْل الْوَاجِب وَقَالَ قَائِلُونَ

القَوْل ركن إِذْ لَيْسَ كلمتا الشَّهَادَة إِخْبَارًا عَن الْقلب بل هُوَ إنْشَاء عقد آخر وَابْتِدَاء شَهَادَة والتزام وَالْأول أظهر وَقد غلا فِي هَذَا طَائِفَة المرجئة فَقَالُوا

هَذَا لَا يدْخل النَّار أصلا

وَقَالُوا إِن الْمُؤمن وَإِن عصى فَلَا يدْخل النَّار وسنبطل ذَلِك عَلَيْهِم

الدرجَة السَّادِسَة أَن يَقُول بِلِسَانِهِ لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وَلَكِن لم يصدق بِقَلْبِه فَلَا نشك فِي أَن هَذَا فِي حكم الْآخِرَة من الْكفَّار وَأَنه مخلد فِي النَّار

وَلَا نشك فِي أَنه فِي حكم الدُّنْيَا الَّذِي يتَعَلَّق بالأئمة والولاة من الْمُسلمين لِأَن قلبه لَا يطلع عَلَيْهِ وعلينا أَن نظن بِهِ أَنه مَا قَالَه بِلِسَانِهِ إِلَّا وَهُوَ منطو عَلَيْهِ فِي قلبه وَإِنَّمَا نشك فِي أَمر ثَالِث وَهُوَ الحكم الدنيوي فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَذَلِكَ بِأَن يَمُوت لَهُ فِي الْحَال مُسلم ثمَّ يصدق بعد ذَلِك بِقَلْبِه ثمَّ يستفتي وَيَقُول

كنت غير مُصدق بِالْقَلْبِ حَالَة الْمَوْت وَالْمِيرَاث الْآن فِي يَدي فَهَل يحل لي بيني وَبَين الله تَعَالَى أَو نكح مسلمة ثمَّ صدق بِقَلْبِه هَل تلْزمهُ إِعَادَة النِّكَاح هَذَا مَحل نظر فَيحْتَمل أَن يُقَال

أَحْكَام الدُّنْيَا منوطة بالْقَوْل الظَّاهِر ظَاهرا وَبَاطنا وَيحْتَمل أَن يُقَال تناط بِالظَّاهِرِ فِي حق غَيره لِأَن بَاطِنه غير ظَاهر لغيره وباطنه ظَاهر لَهُ فِي نَفسه بَينه وَبَين الله تَعَالَى

وَالْأَظْهَر وَالْعلم عِنْد الله تَعَالَى أَنه لَا يحل لَهُ ذَلِك الْمِيرَاث وَيلْزمهُ إِعَادَة النِّكَاح وَلذَلِك كَانَ حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ لَا يحضر جَنَازَة من يَمُوت من الْمُنَافِقين وَعمر رَضِي الله عَنهُ كَانَ يُرَاعِي ذَلِك مِنْهُ فَلَا يحضر إِذا لم يحضر حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ وَالصَّلَاة فعل ظَاهر فِي الدُّنْيَا وَإِن كَانَ من الْعِبَادَات والتوقي عَن الْحَرَام أَيْضا من جملَة مَا يجب لله كَالصَّلَاةِ لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

طلب الْحَلَال فَرِيضَة بعد الْفَرِيضَة وَلَيْسَ هَذَا مناقضاً لقولنا إِن الْإِرْث

حكم الْإِسْلَام وَهُوَ الاستسلام بل الاستسلام التَّام هُوَ مَا يَشْمَل الظَّاهِر وَالْبَاطِن وَهَذِه مبَاحث فقهية ظنية تبنى على ظواهر الْأَلْفَاظ والعمومات والأقيسة فَلَا يَنْبَغِي أَن يظنّ الْقَاصِر فِي الْعُلُوم أَن الْمَطْلُوب فِيهِ الْقطع من حَيْثُ جرت الْعَادة بإيراده فِي فن الْكَلَام الَّذِي يطْلب فِيهِ الْقطع فَمَا أَفْلح من نطر إِلَى الْعَادَات والمراسم فِي الْعُلُوم

فَإِن قلت فَمَا شُبْهَة الْمُعْتَزلَة والمرجئة وَمَا حجَّة بطلَان قَوْلهم فَأَقُول شبهتهم عمومات الْقُرْآن أما المرجئة فَقَالُوا

لَا يدْخل الْمُؤمن النَّار وَإِن أَتَى بِكُل الْمعاصِي لقَوْله عز وَجل

{فَمن يُؤمن بربه فَلَا يخَاف بخساً وَلَا رهقاً} وَلقَوْله عز وَجل {وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله أُولَئِكَ هم الصديقون}

وَلقَوْله تَعَالَى {كلما ألقِي فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خزنتها} إِلَى قَوْله {فكذبنا وَقُلْنَا مَا نزل الله من شَيْء}

فَقَوله كلما ألقِي فِيهَا فَوْج عَام فَيَنْبَغِي أَن يكون من ألقِي فِي النَّار مُكَذبا

وَلقَوْله تَعَالَى {لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى}

وَهَذَا حصر وَإِثْبَات وَنفي

وَلقَوْله تَعَالَى {من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ خير مِنْهَا وهم من فزع يَوْمئِذٍ آمنون} فالإيمان رَأس الْحَسَنَات

وَلقَوْله تَعَالَى {وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ}

وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّا لَا نضيع أجر من أحسن عملا}

وَلَا حجَّة لَهُم فِي ذَلِك فَإِنَّهُ حَيْثُ ذكر الْإِيمَان فِي هَذِه الْآيَات أُرِيد بِهِ الْإِيمَان مَعَ الْعَمَل إِذْ بَينا أَن الْإِيمَان قد يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْإِسْلَام وَهُوَ الْمُوَافقَة بِالْقَلْبِ وَالْقَوْل وَالْعَمَل وَدَلِيل هَذَا التَّأْوِيل أَخْبَار كَثِيرَة فِي معاقبة العاصين ومقادير الْعقَاب وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

يخرج من النَّار من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان

فَكيف يخرج إِذا لم يدْخل

وَمن الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى

{إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء}

وَالِاسْتِثْنَاء بِالْمَشِيئَةِ يدل على الانقسام وَقَوله تَعَالَى {وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا}

وتخصيصه بالْكفْر تحكم

وَقَوله تَعَالَى {أَلا إِن الظَّالِمين فِي عَذَاب مُقيم}

وَقَالَ تَعَالَى {وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فكبت وُجُوههم فِي النَّار}

فَهَذِهِ العمومات فِي مُعَارضَة عموماتهم وَلَا بُد من تسليط التَّخْصِيص والتأويل على الْجَانِبَيْنِ لِأَن الْأَخْبَار مصرحة بِأَن العصاة يعذّبون بل قَوْله تَعَالَى {وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها} كَالصَّرِيحِ فِي أَن ذَلِك لَا بُد مِنْهُ للْكُلّ إِذْ لَا يَخْلُو مُؤمن عَن ذَنْب يرتكبه

وَقَوله تَعَالَى {لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى} أَرَادَ بِهِ من جمَاعَة مخصوصين أَو أَرَادَ بالأشقى شخصا معينا أَيْضا

وَقَوله تَعَالَى {كلما ألقِي فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خزنتها} أَي فَوْج من الْكفَّار وَتَخْصِيص العمومات قريب

وَمن هَذِه الْآيَة وَقع للأشعري وَطَائِفَة من الْمُتَكَلِّمين إِنْكَار صِيغ الْعُمُوم وَأَن هَذِه الْأَلْفَاظ يتَوَقَّف فِيهَا إِلَى ظُهُور قرينَة تدل على مَعْنَاهَا

وَأما الْمُعْتَزلَة فشبهتهم قَوْله تَعَالَى

{وَإِنِّي لغفار لمن تَابَ وآمن وَعمل صَالحا ثمَّ اهْتَدَى}

وَقَوله تَعَالَى {وَالْعصر إِن الْإِنْسَان لفي خسر إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات}

وَقَوله تَعَالَى {وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها كَانَ على رَبك حتما مقضياً}

ثمَّ قَالَ {ثمَّ ننجي الَّذين اتَّقوا}

وَقَوله تَعَالَى {وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم}

وكل آيَة ذكر الله عز وَجل الْعَمَل الصَّالح فِيهَا مَقْرُونا بِالْإِيمَان

وَقَوله تَعَالَى {وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا}

وَهَذِه العمومات أَيْضا مَخْصُوصَة بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى {وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء}

فَيَنْبَغِي أَن تبقى لَهُ مَشِيئَة فِي مغْفرَة مَا سوى الشّرك وَكَذَلِكَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخرج من النَّار من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان

وَقَوله تَعَالَى {إِنَّا لَا نضيع أجر من أحسن عملا}

وَقَوله تَعَالَى {إِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ} فَكيف يضيع أجر أصل الْإِيمَان وَجَمِيع الطَّاعَات بِمَعْصِيَة وَاحِدَة

وَقَوله تَعَالَى {وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا} أَي لإيمانه وَقد ورد على مثل هَذَا السَّبَب

فَإِن قلت فقد مَال الِاخْتِيَار إِلَى أَن الْإِيمَان حَاصِل دون الْعَمَل وَقد اشْتهر عَن السّلف قَوْلهم الْإِيمَان عقد وَقَول وَعمل فَمَا مَعْنَاهُ

قُلْنَا لَا يبعد أَن يعد الْعَمَل من الْإِيمَان لِأَنَّهُ مكمل لَهُ ومتمم كَمَا يُقَال

الرَّأْس وَالْيَدَانِ من الْإِنْسَان وَمَعْلُوم أَنه يخرج عَن كَونه إنْسَانا بِعَدَمِ الرَّأْس وَلَا يخرج عَنهُ بِكَوْنِهِ مَقْطُوع الْيَد

وَكَذَلِكَ يُقَال للتسبيحات والتكبيرات من الصَّلَاة وَإِن كَانَت لَا تبطل بفقدها

فالتصديق بِالْقَلْبِ من الْإِيمَان كالرأس من وجود الْإِنْسَان إِذْ يَنْعَدِم بِعَدَمِهِ وَبَقِيَّة الطَّاعَات كالأطراف بَعْضهَا أَعلَى من بعض وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن

وَالصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم مَا اعتقدوا مَذْهَب الْمُعْتَزلَة فِي الْخُرُوج عَن الْإِيمَان بِالزِّنَا وَلَكِن مَعْنَاهُ غير مُؤمن حَقًا إِيمَانًا تَاما كَامِلا كَمَا يُقَال للعاجز الْمَقْطُوع الْأَطْرَاف هَذَا لَيْسَ بِإِنْسَان أَي لَيْسَ لَهُ الْكَمَال الَّذِي هُوَ وَرَاء حَقِيقَة الإنسانية