زاوية العلوم نسخة تجريبية
قواعد العقائد › الفصل الأول: في ترجمة عقيدة أهل السنة في كلمتي الشهادة

معنى الكلمة الثانية وهي الشهادة للرسول بالرسالة

وَأَنه بعث النَّبِي الْأُمِّي الْقرشِي مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم برسالته إِلَى كَافَّة الْعَرَب والعجم وَالْجِنّ وَالْإِنْس فنسخ بِشَرِيعَتِهِ الشَّرَائِع إِلَّا مَا قَرَّرَهُ مِنْهَا وفضله على

سَائِر الْأَنْبِيَاء وَجعله سيد الْبشر وَمنع كَمَال الْإِيمَان بِشَهَادَة التَّوْحِيد وَهُوَ قَول لَا إِلَه إِلَّا الله مَا لم تقترن بهَا شَهَادَة الرَّسُول وَهُوَ قَوْلك مُحَمَّد رَسُول الله وألزم الْخلق تَصْدِيقه فِي جَمِيع مَا أخبر عَنهُ من أُمُور الدُّنْيَا وَالْآخر وَأَنه لَا يتَقَبَّل إيمانُ عبدٍ حَتَّى يُؤمن بِمَا أخبر بِهِ بعد الْمَوْت وأوله سُؤال مُنكر

وَنَكِير وهما شخصان مهيبان هائلان يقعدان العَبْد فِي قَبره سويا ذَا روح وجسد فيسألانه عَن التَّوْحِيد والرسالة ويقولان لَهُ من رَبك وَمَا دينك وَمن نبيك وهما فتانا الْقَبْر وسؤالهما أَو فتْنَة بعد الْمَوْت

وَأَن يُؤمن بِعَذَاب الْقَبْر وَأَنه حق وَحكمه عدل على الْجِسْم وَالروح على مَا يَشَاء وَأَن يُؤمن بالميزان ذِي الكفتين وَاللِّسَان وَصفته فِي العِظَمِ أَنه مثل طَبَقَات السَّمَوَات وَالْأَرْض توزن فِيهِ الْأَعْمَال بقدرة الله تَعَالَى والصنج يَوْمئِذٍ مَثَاقِيل الذَّر والخردل تَحْقِيقا لتَمام الْعدْل وتوضح صَحَائِف الْحَسَنَات فِي صُورَة حَسَنَة فِي كفة النُّور فيثقل بهَا الْمِيزَان على قدر درجاتها عِنْد الله

بِفضل الله وتطرح صَحَائِف السَّيِّئَات فِي صُورَة قبيحة فِي كفة الظلمَة فيخف بهَا الْمِيزَان بِعدْل الله

وَأَن يُؤمن بِأَن الصِّرَاط حق وَهُوَ جسر مَمْدُود على متن جَهَنَّم أحد من السَّيْف وأدق من الشعرة تزل عَلَيْهِ أَقْدَام الْكَافرين بِحكم الله سُبْحَانَهُ فَتَهْوِي بهم إِلَى النَّار وَتثبت عَلَيْهِ أَقْدَام الْمُؤمنِينَ بِفضل الله فيساقون إِلَى دَار الْقَرار

وَأَن يُؤمن بالحوض المورود حَوْض مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يشرب مِنْهُ الْمُؤمنِينَ قبل دُخُول الْجنَّة وَبعد جَوَاز الصِّرَاط من شرب مِنْهُ شربة لم يظمأ بعْدهَا أبدا عرضه مسيرَة شهر مَاؤُهُ أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل حوله أَبَارِيق عَددهَا بِعَدَد نُجُوم السَّمَاء فِيهِ مِيزَابَانِ يصبَّانِ فِيهِ من الْكَوْثَر

وَأَن يُؤمن بِالْحِسَابِ تفَاوت النَّاس فِيهِ إِلَى مناقش فِي الْحساب وَإِلَى مسامح فِيهِ وَإِلَى من يدْخل الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وهم المقربون فيسألُ

اللهُ تَعَالَى من يَشَاء من الْأَنْبِيَاء عَن تَبْلِيغ الرسَالَة وَمن شَاءَ من الْكفَّار عَن تَكْذِيب الْمُرْسلين وَيسْأل المبتدعة عَن السّنة وَيسْأل الْمُسلمين عَن الْأَعْمَال

وَأَن يُؤمن بِإِخْرَاج المُوَحِّدين من النَّار بعد الانتقام حَتَّى لَا يبْقى فِي جَهَنَّم موحد بِفضل الله تَعَالَى فَلَا يخلد فِي النَّار موحد

وَأَن يُؤمن بشفاعة الْأَنْبِيَاء ثمَّ الْعلمَاء ثمَّ الشُّهَدَاء ثمَّ سَائِر الْمُؤمنِينَ على حسب جاهه ومنزلته عِنْد الله تَعَالَى وَمن بَقِي من الْمُؤمنِينَ وَلم يكن لَهُ شَفِيع أخرج بِفضل الله عز وَجل فَلَا يخلد فِي النَّار مُؤمن بل يخرج مِنْهَا من كَانَ فِي

قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان وَأَن يعْتَقد فضل الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وترتيبهم وَأَن أفضل النَّاس بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبُو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان ثمَّ عَليّ رَضِي الله عَنْهُم وَأَن يحسن الظَّن بِجَمِيعِ الصَّحَابَة ويثني عَلَيْهِم كَمَا أثنى الله عز وَجل وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَلَيْهِم أَجْمَعِينَ

فَكل ذَلِك مِمَّا وَردت بِهِ الْأَخْبَار وَشهِدت بِهِ الْآثَار فَمن اعْتقد جَمِيع ذَلِك موقناً بِهِ كَانَ من أهل الْحق وعصابة السّنة وفارَقَ رَهْطَ الضلال وحِزْبَ الْبِدْعَة

فنسأل الله كَمَال الْيَقِين وَحسن الثَّبَات فِي الدّين لنا ولكافة الْمُسلمين برحمته إِنَّه أرْحم الرَّاحِمِينَ وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى كل عبد مصطفى

أعلم أَن مَا ذَكرْنَاهُ فِي تَرْجَمَة العقيدة يَنْبَغِي أَن يقدم إِلَى الصَّبِي فِي أول نشوه ليحفظه حفظا ثمَّ لَا يزَال ينْكَشف لَهُ مَعْنَاهُ فِي كبره شَيْئا فَشَيْئًا فابتداؤه الْحِفْظ ثمَّ الْفَهم ثمَّ الإعتقاد والإيقان والتصديق بِهِ وَذَلِكَ مِمَّا يحصل فِي الصَّبِي بِغَيْر برهَان فَمن فضل الله سُبْحَانَهُ على قلب الْإِنْسَان أَن شَرحه فِي أول نشوة للْإيمَان من غير حَاجَة إِلَى حجَّة وبرهان وَكَيف يُنكر ذَلِك

وَجَمِيع عقائد الْعَوام مباديها التَّلْقِين الْمُجَرّد والتقليد الْمَحْض نعم يكون الإعتقاد الْحَاصِل بِمُجَرَّد التَّقْلِيد غير خَال عَن نوع من الضعْف فِي الإبتداء على معنى أَنه يقبل الْإِزَالَة بنقيضه لَو ألْقى إِلَيْهِ فَلَا بُد من تقويته وإثباته فِي نفس الصَّبِي والعامي حَتَّى يترشح وَلَا يتزلزل وَلَيْسَ الطَّرِيق فِي تقويته وإثباته أَن يعلم صَنْعَة الجدل وَالْكَلَام بل يشْتَغل بِتِلَاوَة الْقُرْآن وَتَفْسِيره وَقِرَاءَة الحَدِيث ومعانيه ويشتغل بوظائف الْعِبَادَات فَلَا يزَال إعتقاده يزْدَاد رسوخا بِمَا يقرع سَمعه من أَدِلَّة الْقُرْآن وحججه وَبِمَا يرد عَلَيْهِ من شَوَاهِد الْأَحَادِيث

وفوائدها وَبِمَا يسطع عَلَيْهِ من أنوار الْعِبَادَات ووظائفها وَبِمَا يسري إِلَيْهِ من مُشَاهدَة الصَّالِحين ومجالستهم وسيماهم وسماعهم وهيآتهم فِي الخضوع لله عز وَجل وَالْخَوْف مِنْهُ والإستكانة لَهُ فَيكون أول التَّلْقِين كإلقاء بذر فِي الصَّدْر وَتَكون هَذِه الْأَسْبَاب كالسقي والتربية لَهُ حَتَّى يَنْمُو ذَلِك الْبذر ويقوى ويرتفع شَجَرَة طيبَة راسخة أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء

وَيَنْبَغِي أَن يحرس سَمعه من الجدل وَالْكَلَام غَايَة الحراسة فَإِن مَا يشوشه الجدل أَكثر مِمَّا يمهده وَمَا يُفْسِدهُ أَكثر مِمَّا يصلحه بل تقويته بالجدل تضاهي ضرب الشَّجَرَة بالمدقة من الْحَدِيد رَجَاء تقويتها بِأَن تكْثر أجزاؤها وَرُبمَا يفتتها ذَلِك ويفسدها وَهُوَ الْأَغْلَب والمشاهدة تكفيك فِي هَذَا بَيَانا فناهيك بالعيان برهانا

فقس عقيدة أهل الصّلاح والتقى من عوام النَّاس بعقيدة الْمُتَكَلِّمين والمجادلين فترى إعتقاد الْعَاميّ فِي الثَّبَات كالطود الشامخ لَا تحركه الدَّوَاهِي وَالصَّوَاعِق وعقيدة المتلكم الحارس إعتقاده بتقسيمات الجدل كخيط مُرْسل فِي الْهَوَاء تفيئه الرِّيَاح مرّة هَكَذَا وَمرَّة هَكَذَا إِلَّا من سمع مِنْهُم دَلِيل الإعتقاد فتلقفه تقليدا كَمَا تلقف نفس الإعتقاد تقليدا إِذْ لَا فرق فِي التقلد بَين تعلم الدَّلِيل أَو تعلم الْمَدْلُول فتلقين الدَّلِيل شَيْء والإستدلال بِالنّظرِ شَيْء آخر بعيد عَنهُ

ثمَّ الصَّبِي إِذا وَقع نشوه على هَذِه العقيدة إِن اشْتغل بكسب الدُّنْيَا

لم ينفتح لَهُ غَيرهَا وَلكنه يسلم فِي الْآخِرَة بإعتقاد أهل الْحق إِذا لم يُكَلف الشَّرْع أجلاف الْعَرَب أَكثر من التَّصْدِيق الْجَازِم بِظَاهِر هَذِه العقائد فَأَما الْبَحْث والتفتيش وتكلف نظم الْأَدِلَّة فَلم يكلفوه أصلا وَإِن أَرَادَ أَن يكون من

سالكي طَرِيق الْآخِرَة وساعده التَّوْفِيق حَتَّى اشْتغل بِالْعَمَلِ ولازم التَّقْوَى وَنهى النَّفس عَن الْهوى واشتغل بالرياضة والمجاهدة انفتحت لَهُ أَبْوَاب من الْهِدَايَة تكشف عَن حقائق هَذِه العقيدة بِنور آلهي يقذف فِي قلبه بِسَبَب المجاهدة تَحْقِيقا لوعده عز وَجل إِذْ قَالَ {وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا وَإِن الله لمع الْمُحْسِنِينَ}

وَهُوَ الْجَوْهَر النفيس الَّذِي هُوَ غَايَة إِيمَان الصديقين والمقربين وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بالسر الَّذِي وقر فِي صدر أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ حَيْثُ فضل بِهِ الْخلق

وانكشاف ذَلِك السِّرّ بل تِلْكَ الْأَسْرَار لَهُ دَرَجَات بِحَسب دَرَجَات المجاهدة ودرجات الْبَاطِن فِي النَّظَافَة وَالطَّهَارَة عَمَّا سوى الله تَعَالَى وَفِي الإستضاءة بِنور الْيَقِين وَذَلِكَ كتفاوت الْخلق فِي أسرار الطِّبّ وَالْفِقْه وَسَائِر الْعُلُوم إِذْ يخْتَلف ذَلِك بإختلاف الإجتهاد وإختلاف الْفطْرَة فِي الذكاء والفطنة وكما لَا تَنْحَصِر تِلْكَ الدَّرَجَات فَكَذَلِك هَذِه