زاوية العلوم نسخة تجريبية
كفاية الأخيار في حل غاية الإختصار › كتاب الطلاق

باب الرضاع

بَاب الرَّضَاع فصل فِي الرَّضَاع إِذا أرضعت الْمَرْأَة بلبنها ولدا صَار الرَّضِيع وَلَدهَا بِشَرْطَيْنِ

أَحدهمَا أَن يكون لَهُ دون الْحَوْلَيْنِ

وَالثَّانِي أَن ترْضِعه خمس رَضعَات متفرقات

الرَّضَاع بِكَسْر الرَّاء وَفتحهَا وَيُقَال رضع بِكَسْر الضَّاد يرضع بِفَتْحِهَا وَبِالْعَكْسِ

وَالْأَصْل فِيهِ الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} وَعَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب

ثمَّ الرضَاعَة الْمُحرمَة لَهَا أَرْكَان مِنْهَا الْمُرضعَة وَلها ثَلَاث شُرُوط

الأول كَونهَا امْرَأَة فلبن الْبَهِيمَة لَا يتَعَلَّق بِهِ تَحْرِيم فَلَو شربه صغيران لم يثبت بَينهمَا أخوة وَكَذَا لبن الرجل لَا يحرم على الصَّحِيح

الشَّرْط الثَّانِي كَونهَا حَيَّة فَلَو ارتضع صَغِير من ميتَة أَو حلب مِنْهَا لم يتَعَلَّق بِهِ التَّحْرِيم مَا لَا يثبت حكم الْمُصَاهَرَة بِوَطْء الْميتَة وَلَو حلب لبن حَيَّة ثمَّ أوجر الصَّبِي بعد مَوتهَا حرم على الصَّحِيح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي

الشَّرْط الثَّالِث كَونهَا مُحْتَملَة للولادة فَلَو ظهر لصغيرة دون تسع سِنِين لبن لم يحرم وَإِن كَانَت بنت تسع سِنِين حرم وَإِن لم يحكم بِالْبُلُوغِ لِأَن احْتِمَال الْبلُوغ قَائِم وَالرّضَاع كالنسب فَيَكْفِي فِيهِ الِاحْتِمَال وَلَا فرق فِي الْمُرضعَة بَين كَونهَا مُزَوّجَة أم لَا وَلَا بَين كَونهَا بكرا أم لَا وَقيل لَا يحرم لبن الْبكر وَالصَّحِيح أَنه يحرم وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَمِنْهَا أَي من أَرْكَان الرَّضَاع اللَّبن وَلَا يشْتَرط لثُبُوت التَّحْرِيم بَقَاء اللَّبن على هَيْئَة حَالَة انْفِصَاله عَن الثدي فَلَو تغير بحموضة أَو انْعِقَاد أَو أغلاه أَو صَار جبنا أَو أقطا أَو زبداً أَو مخيضاً وَأطْعم الصَّبِي حرم لحُصُول اللَّبن إِلَى الْجوف وَحُصُول التغذية بِهِ وَلَو خلط بِغَيْرِهِ نظر إِن كَانَ اللَّبن غَالِبا تعلّقت الْحُرْمَة بالمخلوط وَيشْتَرط أَن يكون اللَّبن قدرا يسْقِي مِنْهُ الْوَلَد خمس رَضعَات على الْمَذْهَب وَمِنْهَا أَي من الْأَركان المخل وَهِي معدة الصَّبِي الْحَيّ وَمَا فِي معنى الْعدة فَهَذِهِ ثَلَاثَة قيود الأول الْمعدة فالوصول إِلَيْهَا يثبت التَّحْرِيم سَوَاء ارتضع الطِّفْل أَو حلب أَو أوجر أَو صب فِي أَنفه فوصل إِلَى جَوْفه ودماغه حرم على الْمَذْهَب بِخِلَاف مَا إِذا احتقن بِهِ أَو كَانَ فِي بَطْنه جِرَاحَة فصب فِيهَا فوصل إِلَى الْجوف لم يثبت التَّحْرِيم على الْأَظْهر وَلَو ارتضع وتقيأ فِي الْحَال ثَبت التَّحْرِيم على الصَّحِيح الْقَيْد الثَّانِي كَون الصَّغِير دون الْحَوْلَيْنِ فَإِن بلغ سنتَيْن فَلَا أثر لارتضاعه ويعتبران بِالْأَهِلَّةِ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا رضَاع إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَفِي رِوَايَة لَا يحرم من الرَّضَاع إِلَّا مَا فتق الأمعاء فِي الثدي وَكَانَ قبل الْفِطَام الْقَيْد الثَّالِث حَيَاة الرَّضِيع فَلَا أثر للوصول إِلَى معدة الصَّغِير الْمَيِّت ثمَّ شَرط الرضَاعَة الْمُحرمَة خمس رَضعَات هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَقيل يثبت برضعة وَاحِدَة وَقيل بِثَلَاث وَبِه قَالَ ابْن الْمُنْذر وَجَمَاعَة وَحجَّة الصَّحِيح قَول عَائِشَة

رَضِي الله عَنْهَا قَالَت كَانَ فِيمَا أنزل الله تَعَالَى من الْقُرْآن عشر رَضعَات مَعْلُومَات يحرمن ثمَّ نسخن بِخمْس مَعْلُومَات فَتوفي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهن فِيمَا يقْرَأ من الْقُرْآن وَفِي رِوَايَة لَا تحرم المصة وَلَا المصتان ٢ وَلَا الرضعة وَلَا الرضعتان ثمَّ شَرط الرضعات أَن يكن متفرقات وَالرُّجُوع فِي الرضعة والرضعتين إِلَى الْعرف فَمَتَى تخَلّل فصل كثير تعدّدت الرضعات فَلَو رضع ثمَّ قطع إعْرَاضًا واشتغل بِشَيْء آخر ثمَّ عَاد وارتضع فهما رضعتان وَلَو قطعت الْمُرضعَة رضاعه ثمَّ عَادَتْ إِلَى الارضاع فهما رضعتان على الْأَصَح كَمَا لَو قطع الصَّبِي وَلَا يحصل التَّعَدُّد بِأَن يلفظ الصَّغِير الثدي ثمَّ يعود إِلَى التقامه فِي الْحَال وَلَا بِأَن يتَحَوَّل من ثدي إِلَى آخر أَو تحوله الْمُرضعَة لنفاد مَا فِي الأول وَلَا بِأَن يلهو عَن الامتصاص وَلَا بِأَن يقطع للتنفس وَلَا بتخلل النومة الْخَفِيفَة وَلَا بِأَن تقوم الْمُرضعَة وتشتغل بشغل خَفِيف ثمَّ تعود إِلَى الْإِرْضَاع فَكل ذَلِك رضعة وَاحِدَة وَالله أعلم

(فرع) أرضعت صَغِيرا وَشَكتْ هَل أَرْضَعَتْه خمْسا أم أقل وَهل وصل اللَّبن إِلَى جَوْفه أم لَا فَلَا تَحْرِيم وَلَا يخفى الْوَرع وَلَو تحققت أَنَّهَا أَرْضَعَتْه خمْسا وَلَكِن شكت هَل هِيَ فِي الْحَوْلَيْنِ أم بَعْضهَا فَلَا تَحْرِيم أَيْضا على الرَّاجِح وَالله أعلم قَالَ

(وَيصير زَوجهَا أَبَا لَهُ)

هَذَا مَعْطُوف على قَوْله صَار الرَّضِيع وَلَدهَا فَإِذا حذف المتخلل بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ يبْقى الْكَلَام صَار الرَّضِيع وَلَدهَا وَيصير زَوجهَا أَبَا لَهُ وَحجَّة ذَلِك مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن أَفْلح أَخا أبي القعيس اسْتَأْذن عَليّ بعد مَا أنزل الْحجاب فَقلت وَالله مَا آذن لَهُ حَتَّى اسْتَأْذن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن أَخا أبي القعيس لَيْسَ هُوَ أرضعني إِنَّمَا أرضعتني امْرَأَة أبي القعيس فَدخل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقلت يَا رَسُول الله إِن الرجل لَيْسَ هُوَ أرضعني وَإِنَّمَا أرضعتني امْرَأَته فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ائذني لَهُ فَإِنَّهُ عمك تربت يَمِينك قَالَ عُرْوَة فَلذَلِك كَانَت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تَقول حرمُوا من الرضَاعَة مَا يحرم من النّسَب وَأَبُو القعيس زوج أمهَا من الرضَاعَة فَهُوَ أَبوهَا لِأَن اللَّبن لَهُ وأفلح أَخُوهُ فَهُوَ عَمها وَقَوْلها إِنَّمَا أرضعتني امْرَأَته الضَّمِير رَاجع إِلَى أخي أَفْلح وَفِي رِوَايَة إِن الرضَاعَة تحرم مَا تحرم الْولادَة وَفِي رِوَايَة يحرم من الرضَاعَة مَا يحرم

من الْولادَة وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تربت يَمِينك فِي معنى ذَلِك خلاف منتشر جدا للسلف وَالْخلف من جَمِيع الطوائف قَالَ النَّوَوِيّ وَالأَصَح الْأَقْوَى الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ فِي مَعْنَاهُ أَنَّهَا كلمة أَصْلهَا افْتَقَرت يَمِينك وَلَكِن الْعَرَب اعتادت اسْتِعْمَالهَا غير قاصدة حَقِيقَة مَعْنَاهَا الْأَصْلِيّ مثل قَاتله الله مَا أشجعه وَلَا أم لَهُ وَلَا أَبَا لَهُ وويل أمه وَنَحْو ذَلِك وَالله أعلم قَالَ

(وَيحرم على الْمُرْضع التَّزْوِيج إِلَى من ناسبها وَيحرم عَلَيْهَا التَّزْوِيج إِلَى الْمُرْضع وَولده دون من كَانَ فِي دَرَجَته أَو أَعلَى طبقَة مِنْهُ)

الْكَلَام الْآن فِيمَن يحرم بِالرّضَاعِ وَلَا شكّ أَن قطب ذَلِك الرَّضِيع والمرضع وَكَذَا الْفَحْل الَّذِي لَهُ اللَّبن ثمَّ تَنْتَشِر الْحُرْمَة مِنْهُم إِلَى غَيرهم فَيحرم على الْمُرْضع بِفَتْح الضَّاد أَن يتَزَوَّج بِمن ناسب الْمُرضعَة أَي من انتسب إِلَيْهَا بِالنّسَبِ أَو بِالرّضَاعِ وَولده وَإِن سفل وَمن انتسب إِلَيْهِ وَإِن علا لِأَن الرَّضِيع وَولده وَإِن سفل أبناؤها إِمَّا على سَبِيل الْحَقِيقَة أَو الْمجَاز كأبناء النّسَب وَإِذا صدقت النِّسْبَة حرم على الشَّخْص أَن يتَزَوَّج أُخْته أَو بنت أُخْته أَو بنت أَخِيه وَإِن نزلت وَكَذَا يحرم عَلَيْهِ أَن يتَزَوَّج أم أمه وَأم أَبِيه من الرَّضَاع وَإِن علت لِأَنَّهُمَا أما أمه وَأَبِيهِ حَقِيقَة أَو مجَازًا وَنِكَاح تِلْكَ حرَام وَإِن علت فِي الرَّضَاع كالنسب وَكَذَا يحرم عَلَيْهَا أَن تتَزَوَّج بالمرضع أَي بالرضيع وبولده وَإِن سفل لِأَنَّهَا أمّهم وَإِن سفلوا دون من فِي دَرَجَته لِأَن أخوة الرَّضِيع إِذا لم يرضعوا فهم أجانب مِنْهَا وَكَذَا لَا يحرم من هُوَ أَعلَى من فِي دَرَجَة الرَّضِيع كأعمامه وَالْحَاصِل أَن كل مَا حرم من النّسَب حرم بِالرّضَاعِ للأدلة الْمُتَقَدّمَة وَاسْتثنى بَعضهم مسَائِل تحرم فِي النّسَب وَقد لَا تحرم فِي الرَّضَاع فَمنهمْ من صحّح الِاسْتِثْنَاء وَمِنْهُم من مَنعه وعَلى كل حَال فقد ذكرنَا ذَلِك مفصلا فِي فصل والمحرمات بِالنَّصِّ أَربع عشرَة فَرَاجعه وَالله أعلم قَالَ