زاوية العلوم نسخة تجريبية
كفاية الأخيار في حل غاية الإختصار › كتاب الطلاق

باب الظهار

بَاب الظِّهَار فصل فِي الظِّهَار الظِّهَار أَن يَقُول الرجل لزوجته أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي فَإِذا قَالَ ذَلِك وَلم يتبعهُ بِالطَّلَاق صَار عَائِدًا وَلَزِمتهُ الْكَفَّارَة

الظِّهَار مُشْتَقّ من الظّهْر لِأَنَّهُ مَوضِع الرّكُوب وَالْمَرْأَة مركوب الزَّوْج وَقيل إِنَّه مَأْخُوذ من الْعُلُوّ قَالَ الله تَعَالَى {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يظهروه} أَي يعلوه فَكَأَنَّهُ قَالَ علوي عَلَيْك كعلوي على أُمِّي وَكَانَ طَلَاقا فِي الْجَاهِلِيَّة ثمَّ نقل الشَّارِع صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حكمه إِلَى تَحْرِيمهَا بعد الْعود وَوُجُوب الْكَفَّارَة وَبَقِي مَحَله وَهِي الزَّوْجَة وَالظِّهَار حرَام بِالْإِجْمَاع لقَوْله تَعَالَى {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً} بِخِلَاف قَوْله أَنْت عَليّ حرَام فَإِنَّهُ مَكْرُوه وَإِن كَانَ إِخْبَارًا بِمَا لم يكن لِأَن فِي الظِّهَار

الْكَفَّارَة الْعُظْمَى وَهِي إِنَّمَا تجب فِي الْمحرم كَالْقَتْلِ وَالْفطر بجماع فِي رَمَضَان وَفِي لفظ التَّحْرِيم كَفَّارَة يَمِين وَالْيَمِين والحنث ليسَا بمحرمين ثمَّ صُورَة الظِّهَار الْأَصْلِيَّة كَمَا ذكره الشَّيْخ أَن يَقُول أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي وَهِي صَرِيحَة فِي الظِّهَار وَفِي مَعْنَاهَا سَائِر الصلات كَقَوْلِه أَنْت معي أَو عِنْدِي أَو مني أولي كَظهر أُمِّي وَكَذَا لَو ترك الصِّلَة فَقَالَ أَنْت كَظهر أُمِّي وَلم يقل عَليّ وَعَن الداركي أَنه إِن ترك الصِّلَة كَانَ كِنَايَة لاحْتِمَال أَن يُرِيد أَنْت مُحرمَة على غَيْرِي وَالصَّحِيح الأول كَمَا أَن قَوْله أَنْت طَالِق صَرِيح وَلم يقل مني وَمَتى أَتَى بِصَرِيح الظِّهَار وَقَالَ أردْت غَيره لم يقبل مِنْهُ على الصَّحِيح كَمَا لَو أَتَى بِصَرِيح الطَّلَاق وَادّعى غَيره لَا يقبل وَلَو قَالَ جملتك أَو نَفسك أَو ذاتك أَو جسمك أَو بدنك وَكَذَا قَوْله أَنْت كبدن أُمِّي أَو جسمها أَو ذَاتهَا فَهُوَ كَظهر أُمِّي وَإِن شبهها بِبَعْض أَجزَاء الْأُم نظر إِن كَانَ ذَلِك الْعُضْو مِمَّا لَا يذكر فِي معرض الاكرام والاعزاز كالبطن والفرج والصدر وَالْيَد وَالرجل وَالشعر فَقَوْلَانِ الْأَظْهر أَنه ظِهَار لِأَنَّهُ تَشْبِيه بعضو حرم فَأشبه الظّهْر وَإِن كَانَ مِمَّا يذكر فِي معرض الاعزاز والاكرام كَقَوْلِه أَنْت عَليّ كعين أُمِّي فَإِن أَرَادَ الْكَرَامَة فَلَيْسَ بظهار وَإِن أَرَادَ الظِّهَار فظهار على الْأَظْهر وَإِن طلق فَوَجْهَانِ الْأَصَح أَنه لَا يكون ظِهَارًا وَلَو قَالَ كروح أُمِّي فكقوله كعين أُمِّي وَلَو قَالَ كرأس أُمِّي فَهَل هُوَ كيد أُمِّي وَبِه قطع الْعِرَاقِيُّونَ وَهُوَ الْأَظْهر فِي الْمِنْهَاج أَو كعين أُمِّي وَهِي طَريقَة المراوزة فَيَجِيء الْخلاف وَالتَّفْصِيل قَالَ الرَّافِعِيّ وَهُوَ الْأَقْرَب وَلَو قَالَ أَنْت عَليّ كأمي أَو مثل أُمِّي فَإِن أَرَادَ الظِّهَار فظهار وَإِن أَرَادَ الْكَرَامَة فَلَا وَإِن أطلق فَلَيْسَ بظهار على الْأَصَح وَبِه قطع كَثِيرُونَ إِذْ الأَصْل عَدمه

وَاعْلَم أَن تَشْبِيه الزَّوْجَة بالجدة سَوَاء كَانَت من قبل الْأَب أَو الْأُم يكون ظِهَارًا قطع بِهِ الْجُمْهُور لِأَنَّهُنَّ أُمَّهَات ولدنهن ولأنهن يشاركن الْأُم فِي الْعتْق وَسُقُوط الْقصاص وَوُجُوب النَّفَقَة وَقيل فِيهِ خلاف كالتشبيه بالبنت وَلَو شبهها بالمحرمات من النّسَب كالبنات وَالْأَخَوَات والعمات والخالات وَبَنَات الْأَخ وَالْأُخْت فَفِيهِ خلاف الْمَذْهَب أَنه ظِهَار وَأما الْمُحرمَات بِالسَّبَبِ كالمحرمات بِالرّضَاعِ والمصاهرة ففيهن خلاف منتشر الْمَذْهَب مِنْهُ إِن شبهها بِمن لم تزل مُحرمَة عَلَيْهِ مِنْهُنَّ فَهُوَ ظِهَار وَإِلَّا فَلَا وَلَو شبهها بِمن لَا تحرم عَلَيْهِ أبدا كأجنبية ومطلقة ومعتدة وَأُخْت امْرَأَته وَنَحْو ذَلِك فَلَيْسَ بظهار قطعا سَوَاء طَرَأَ مَا يُؤَيّد التَّحْرِيم بِأَن نكح بنت الْأَجْنَبِيَّة أَو وطئ أمهَا وطأ محرما أَو لم يطْرَأ وَلَو شبه بملاعنة فَلَيْسَ بظهار لِأَن تَحْرِيمهَا وَإِن كَانَ مُؤَبَّدًا إِلَّا أَنه لَيْسَ للمحرمية وَلَا للوصلة وَلَو شبهها بِظهْر أَبِيه أَو ابْنه أَو غُلَامه فَلَيْسَ بظهار وَالله أعلم

فَإِذا صَحَّ الظِّهَار ترَتّب عَلَيْهِ حكمان

أَحدهمَا تَحْرِيم الْوَطْء إِلَى أَن يكفر وَلَا يحرم سَائِر الاستمتاعات على الْأَظْهر عِنْد الْجُمْهُور

الحكم الثَّانِي وجوب الْكَفَّارَة بِالْعودِ وَالْعود هُوَ أَن يمْسِكهَا فِي النِّكَاح زَمنا يُمكنهُ أَن يطلقهَا فِيهِ وَلم تطلق لِأَن تشبيهها بِالْأُمِّ يَقْتَضِي أَن لَا يمْسِكهَا زَوْجَة فَإِذا أمْسكهَا زَوْجَة فقد عَاد فِيمَا قَالَ

لِأَن الْعود لِلْقَوْلِ مُخَالفَته وَلِهَذَا يُقَال فلَان قَالَ قولا ثمَّ عَاد فِيهِ وَعَاد لَهُ أَي خَالفه ونقضه فَإِذا وجد ذَلِك وَجَبت الْكَفَّارَة لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة لِأَنَّهُ عَاد لما قَالَ فَكَانَ من حَقه أَنه إِذا قَالَ أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي أَن يَقُول عقبه أَنْت طَالِق وَنَحْو ذَلِك مِمَّا تحصل بِهِ الْفرْقَة وَالله أعلم

(فرع) أعلم أَن الرَّجْعِيَّة زَوْجَة ويلحقها الطَّلَاق قطعا وَيصِح خلعها على الْأَظْهر وَكَذَا يَصح الْإِيلَاء مِنْهَا وَالظِّهَار فغذا ظَاهر من الرَّجْعِيَّة لم يصر بترك الطَّلَاق عَائِدًا لِأَنَّهَا صائرة إِلَى الْبَيْنُونَة فَلم يحصل الْإِمْسَاك على الزَّوْجِيَّة فَلَو رَاجعهَا فَلَا خلاف أَنه يعود الظِّهَار وَأَحْكَامه فَلَو لم يُرَاجِعهَا وَتركهَا حَتَّى انْقَضتْ عدتهَا وَبَانَتْ مِنْهُ ثمَّ نَكَحَهَا فَفِي عود الظِّهَار الْخلاف فِي عود الْحِنْث وَالْمذهب أَنه لَا يعود وَلَو لم تكن رَجْعِيَّة بل زَوْجَة وَعَاد وَجَبت الْكَفَّارَة ثمَّ طَلقهَا رَجْعِيًا أَو بَائِنا لم تسْقط الْكَفَّارَة فَإِذا جدد النكح اسْتمرّ التَّحْرِيم إِلَى أَن يكفر سَوَاء حكمنَا بِعُود الْحِنْث أم لَا لِأَن التَّحْرِيم حصل فِي النِّكَاح الأول وَقد وجد وَقد قَالَ الله تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} وَالله أعلم قَالَ

(وَالْكَفَّارَة عتق رَقَبَة مُؤمنَة سليمَة من الْعُيُوب فَإِن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين فَإِن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا كل مِسْكين مد وَلَا يحل وَطْؤُهَا حَتَّى يكفر)

كَفَّارَة الظِّهَار كَفَّارَة تَرْتِيب بِنَصّ الْقُرْآن الْعَظِيم قَالَ الله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} إِلَى قَوْله {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} وبمثل ذَلِك أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَلمَة بن صَخْر البياضي لما ظَاهر من امْرَأَته

وخصال الْكَفَّارَة ثَلَاثَة

الأولى الْعتْق وَلَا بُد فِي الْكَفَّارَة من النِّيَّة للْحَدِيث الْمَشْهُور وَلِأَن الْكَفَّارَة حق مَالِي

وَجب تَطْهِيرا فَتجب فِيهِ النِّيَّة كَالزَّكَاةِ وتكفي نِيَّة الْكَفَّارَة وَلَا يشْتَرط ذكر الْوُجُوب لِأَن الْكَفَّارَة لَا تكون إِلَّا وَاجِبَة وَلَا تكفيه نِيَّة الْعتْق الْوَاجِب من غير ذكر الْكَفَّارَة لِأَن الْعتْق قد يجب بِالنذرِ وَلَا يجب تعْيين سَببهَا لكَونهَا عَن ظِهَار أَو قتل أَو كَفَّارَة يَمِين كَمَا لَا يجب تعْيين المَال المزكى وَلَو لزمَه كَفَّارَة ظِهَار وجماع مثلا فَأعتق رَقَبَة بنية الْكَفَّارَة حسبت عَن إِحْدَاهمَا وَكَذَا لَو صَامَ أَو أطْعم فَإِن قلت مَا الْفرق بَين الْكَفَّارَة وَالصَّلَاة حَيْثُ يعْتَبر فِيهَا التَّعْيِين

فَالْفرق أَن الْعِبَادَة الْبَدَنِيَّة أضيق وَلِهَذَا امْتنع التَّوْكِيل فِيهَا وَأَيْضًا فَإِن مَرَاتِب الصَّلَاة مُتَفَاوِتَة فِي الْمَشَقَّة فَإِن وَقت الصُّبْح أشق وَعدد الظّهْر أَكثر وَلَا تفَاوت بَين كَفَّارَة الظِّهَار وَالْجِمَاع ثمَّ إِذا عين بعد ذَلِك مَا أَتَى بِهِ عَن كَفَّارَة تعين وَامْتنع صرفه إِلَى غَيرهَا كَمَا لَو عين ابْتِدَاء وَلَو عين فِي الِابْتِدَاء كَفَّارَة الظِّهَار مثلا وَكَانَت عَلَيْهِ كَفَّارَة يَمِين لم يجزه عمدا كَانَ أَو خطأ كَمَا لَو نوى زَكَاة مَال بِعَيْنِه فَكَانَ تَالِفا لَا ينْصَرف إِلَى غَيره بِخِلَاف مَا لَو نوى رفع حدث غَلطا عَلَيْهِ غَيره فَإِنَّهُ يرْتَفع على الْأَصَح لِأَن رفع الْمَنوِي يتَضَمَّن رفع الْكل وَالْعِتْق عَن كَفَّارَة مُعينَة لَا يتَضَمَّن الْإِجْزَاء عَن أُخْرَى وَهل يشْتَرط أَن تكون النِّيَّة مُقَارنَة للإعتاق وَالْإِطْعَام قَالَ فِي أصل الرَّوْضَة الصَّحِيح أَنه يشْتَرط وَقيل يجوز تَقْدِيمهَا كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الزَّكَاة وَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب أصح الْوَجْهَيْنِ جَوَاز تَقْدِيم نِيَّة الزَّكَاة على الدّفع قَالَ أَصْحَابنَا وَالْكَفَّارَة وَالزَّكَاة فِي ذَلِك سَوَاء وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب وَظَاهر النَّص انْتهى

وَاعْلَم أَن شَرط الْجَوَاز فِي الزَّكَاة أَن تكون النِّيَّة مُقَارنَة للعزل فاعرفه وَقِيَاسه هُنَا كَذَلِك إِذا عرفت هَذَا فَيشْتَرط فِي الرَّقَبَة المجزئة عَن الْكَفَّارَة أَرْبَعَة شُرُوط الْإِسْلَام وَلَفظ الْإِيمَان أولى لِأَنَّهُ نَص الْقُرْآن الْعَظِيم والسلامة عَن الْعُيُوب الْمضرَّة بِالْعَمَلِ وَكَمَال الرّقّ والخلو عَن الْعِوَض فَلَا يُجزئ إِعْتَاق الْكَافِر فِي شَيْء من الْكَفَّارَات وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد رَضِي الله عَنْهُمَا وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ يجوز إِعْتَاق الْكَافِر إِلَّا فِي كَفَّارَة الْقَتْل لِأَن الله تَعَالَى قَالَ فِيهَا {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} وَحجَّتنَا قِيَاس غير كَفَّارَة الْقَتْل عَلَيْهَا وَحمل الشَّافِعِي الْمُطلق على الْمُقَيد وَشبهه بقوله {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} فَإِنَّهُ مَحْمُول على الْمُقَيد فِي قَوْله {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} وَقَول الشَّيْخ سليمَة من الْعُيُوب الَّتِي تضر بِالْعَمَلِ ضَرَرا بَينا لِأَن الْمَقْصُود تَكْمِيل حَالَة التفرغ لِلْعِبَادَةِ ووظائف الْأَحْرَار وَإِنَّمَا يحصل ذَلِك إِذا اسْتَقل وَقَامَ بكفايته وَإِلَّا فَيصير كلا على نَفسه وعَلى غَيره فَلَا يُجزئ الزَّمن وَلَا من يجن أَكثر الْأَوْقَات فَإِن كَانَت إِفَاقَته أَكثر أَجْزَأَ وَكَذَا إِذا اسْتَويَا على الْمَذْهَب وَلَا يُجزئ مَرِيض لَا يُرْجَى زَوَال مَرضه فَإِن رجى أَجْزَأَ وَلَو أعتق من وَجب

عَلَيْهِ الْقَتْل قَالَ الْقفال إِن أعْتقهُ قبل أَن يقدم للْقَتْل أَجْزَأَ وَإِن قدم فَهُوَ كمريض لَا يُرْجَى وَلَا يُجزئ مَقْطُوع إِحْدَى الرجلَيْن وَلَا مَقْطُوع أُنْمُلَة من إِبْهَام الْيَد وَيجوز مَقْطُوع أُنْمُلَة من غَيرهَا وَلَا يجوز مَقْطُوع أنملتين من السبابَة أَو الْوُسْطَى ويجزء مَقْطُوع الخنص من يَد والبنصر من آخرى وَلَا يُجزئ مقطوعهما من يَد وَيُجزئ مقطو جَمِيع اصابع الرجلَيْن على الصَّحِيح وَيُجزئ قصير الْخلق الَّذِي يقدر على الْعَمَل وَالْكَسْب وَيُجزئ الشَّيْخ إِن قدر على الْعَمَل على الْأَصَح وَيُجزئ الْأَعْرَج إِلَّا أَن يكون شَدِيدا يمْنَع مُتَابعَة الْمَشْي وَيُجزئ الْأَعْوَر دون الْأَعْمَى وَالْمرَاد عور لَا يضعف عينه بِالْعَمَلِ قَالَه الشَّافِعِي وَيُجزئ الْأَصَم الْأَخْرَس إِن فهم الْإِشَارَة وَإِلَّا فَلَا وَيُجزئ الْخصي والمجبوب وَالْأمة الرتقاء والقرناء ومفقود الْأَسْنَان وَولد الزِّنَا وَضَعِيف الْبَطْش وَالصَّغِير وَالله ناقد وبصير وَالله أعلم وَأما كَمَال الرّقّ فَلَا بُد مِنْهُ فَلَا تُجزئ أم الْوَلَد وَكَذَا الْمكَاتب كِتَابَة صَحِيحَة وَإِن لم يؤد شَيْئا من لنجوم وَلَو ملك من يعْتق عَلَيْهِ بشرَاء أَو غَيره وَنوى عتقه عَن الْكَفَّارَة لم يجزه على الصَّحِيح لِأَن الْعتْق مُسْتَحقّ بِجِهَة الْقَرَابَة وَلَو اشْترى عبدا بِشَرْط الْعتْق فَالْمَذْهَب أَنه لَا يجْزِيه عَن الْكَفَّارَة وَلَو أعتق من تحتم قَتله فِي الْمُحَاربَة أَجزَأَهُ قَالَه القَاضِي حُسَيْن ويجزى الْمُدبر وَالْمُعَلّق عتقه بِصفة وَالْعَبْد الْغَائِب الْمُنْقَطع الْخَبَر لَا يُجزئ على الْمَذْهَب والآبق وَالْمَغْصُوب يجزيان إِذا علم حياتهما على الصَّحِيح لكَمَال الرّقّ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي الْمَغْصُوب عِنْد الرَّافِعِيّ وَقَالَ النَّوَوِيّ إِن كَانَ لَا يقدر على الْخَلَاص فَلَا يجزى كالزمن لعدم قدرته على التَّصَرُّف وَكَذَا قَضِيَّة تَصْحِيح التَّنْبِيه وَحكى الْقطع بِهِ عَن أَكثر الْعِرَاقِيُّونَ وَحكى عَن جُمْهُور الخراسانيين الْأَجْزَاء لتَمام الْملك وَالْمَنْفَعَة وَهُوَ الَّذِي جرى عَلَيْهِ الرَّافِعِيّ وَأما الْخُلُو عَن الْعِوَض فَلَا بُد مِنْهُ فَلَو أعتق عبدا على أَن يرد عَلَيْهِ دِينَارا مثلا لم يجزه عَن الْكَفَّارَة على الصَّحِيح وَلَو شَرط عوضا على غير العَبْد بِأَن قَالَ لإِنْسَان أعتقت عَبدِي هَذَا عَن كفارتي بِأَلف عَلَيْك فَقبل أَو قَالَ لَهُ إِنْسَان أعتق عَن كفارتك وَعلي كَذَا فَفعل لم يجزه عَن الْكَفَّارَة وَالله أعلم

الْخصْلَة الثَّانِيَة الصّيام فَمن لم يجد الرَّقَبَة فَعَلَيهِ صِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين لِلْآيَةِ ثمَّ عدم الرَّقَبَة قد يكون بِأَن لَا يجدهَا أَو لَا يجد ثمنهَا أَو يجدهَا بِثمن غال أَو يجدهَا وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهَا للْخدمَة أَو إِلَى ثمنهَا للنَّفَقَة أما العادم بِالْكُلِّيَّةِ فللآية وَأما الْمُحْتَاج فَلِأَن الْحَاجة تستغرق مَا مَعَه فَصَارَ كالعادم من وجد المَاء وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهِ فَإِن ينْتَقل إِلَى الْبَدَل كَذَلِك هَهُنَا وَلِأَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَن الْمسكن لَا يمْنَع الِانْتِقَال إِلَى الصَّوْم للْحَاجة وَالْمرَاد بحاجة الْخدمَة أَن يكون بِهِ مرض أَو كبر أَو زمانة أَو ضخامة لَا يقدر مَعهَا على خدمَة نَفسه أَو كَانَ لَا يخْدم نَفسه فِي الْعَادة مَعَ الصِّحَّة فَلَو كَانَ يخْدم نَفسه كأوساط النَّاس لزمَه الاعتاق على الرَّاجِح وَالْمرَاد بِالنَّفَقَةِ قوته وقوت عِيَاله وكسوتهم وَمَا لَا بُد مِنْهُ من الأثاث وَكَذَا شِرَاء عبد يحْتَاج إِلَيْهِ للْخدمَة وَهل تتقدر النَّفَقَة وَالْكِسْوَة بِمدَّة قَالَ الرَّافِعِيّ لم يقدره الْأَصْحَاب فَيجوز أَن يعْتَبر كِفَايَة الْعُمر وَيجوز أَن يعْتَبر كِفَايَة سنة وَيُؤَيِّدهُ قَول الْبَغَوِيّ أَنه يتْرك لَهُ ثوبا للشتاء وثوباً للصيف قَالَ النَّوَوِيّ الصَّوَاب الثَّانِي يَعْنِي سنة قَالَ ابْن الرّفْعَة قد تعرض

لَهُ الْأَصْحَاب فِي كَفَّارَة الْيَمين فَقَالُوا مَا حَكَاهُ الْمحَامِلِي وَغَيره أَنه من لَيْسَ لَهُ كِفَايَة على الدَّوَام وَلَو كَانَ لَهُ ضَيْعَة أَو رَأس مَال يتجر فِيهِ وَكَانَ يحصل مِنْهُمَا كِفَايَته بِلَا مزِيد وَلَو باعهما لتَحْصِيل رَقَبَة لصار فِي حد الْمَسَاكِين لم يُكَلف بيعهَا على الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور وَلَو كَانَ لَهُ مَاشِيَة تحلب فِي ملكه فَهِيَ كالضيعة إِن كَانَ لَا تزيد غَلَّتهَا على كِفَايَته لم يُكَلف بيعهَا وَإِن زادة لزم بيع الزَّائِد ذكره الْمَاوَرْدِيّ وَالله أعلم

(فرع) شخص لَهُ مَال حَاضر وَلم يجد الرَّقَبَة أَو لَهُ مَال غَائِب لَا يجوز لَهُ الْعُدُول إِلَى الصَّوْم فِي كَفَّارَة الْقَتْل وَالْجِمَاع وَالْيَمِين بل يصبر حَتَّى يجد الرَّقَبَة أَو يصل إِلَى المَال لِأَن الْكَفَّارَة على التَّرَاخِي وَبِتَقْدِير أَن يَمُوت تُؤَدّى من تركته بِخِلَاف الْعَاجِز عَن ثمن المَاء فَإِنَّهُ يتَيَمَّم لِأَنَّهُ لَا يُمكن قَضَاء الصَّلَاة لَو مَاتَ وَفِي كَفَّارَة الظِّهَار وَجْهَان لتضرره بِفَوَات الِاسْتِمْتَاع وَأَشَارَ الْغَزالِيّ وَالْمُتوَلِّيّ إِلَى تَرْجِيح وجوب الصَّبْر هَذِه عبارَة الرَّوْضَة وَمَا ذكره الْغَزالِيّ وَالْمُتوَلِّيّ من وجوب الصَّبْر صَححهُ النَّوَوِيّ فِي تَصْحِيح التَّنْبِيه وَيُؤْخَذ من كَلَام الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة هُنَا أَن الْكَفَّارَات الْوَاجِبَة هُنَا بِسَبَب محرم تكون على الْفَوْر وَقد ذكر ذَلِك فِي مَوَاضِع وَذكر فِي مَوَاضِع أخر أَن الْكَفَّارَات كلهَا على الْفَوْر وَقد صرح النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم فِي حَدِيث المجامع فِي رَمَضَان بِأَنَّهَا على التَّرَاخِي وَفِيه من الِاخْتِلَاف الْكثير مَا ظهر وَالله أعلم

وَلَو تعسر عَلَيْهِ الاعتاق كفر بِالصَّوْمِ وَهل الِاعْتِبَار باليسار والإعسار بِوَقْت الْأَدَاء أَو بِوَقْت الْوُجُوب أم بأغلظ الْحَالين فِيهِ أَقْوَال أظهرها أَن الِاعْتِبَار بِوَقْت الْأَدَاء لِأَنَّهَا عبَادَة لَهَا بدل من غير جِنْسهَا فَاعْتبر فِيهَا حَالَة الْأَدَاء كَالْوضُوءِ وَالتَّيَمُّم وَالْقِيَام وَالْقعُود فِي الصَّلَاة فعلى هَذَا إِن كَانَ مُوسِرًا وَقت الْأَدَاء ففرضه الْإِعْتَاق وَإِن كَانَ مُعسرا ففرضه الصَّوْم وَإِن كَانَ مُوسِرًا من قبل وَلَو شرع فِي الصَّوْم ثمَّ أيسر أتمه وَلم يجب عَلَيْهِ الِانْتِقَال إِلَى الْعتْق على الْأَصَح وَقَالَ الْمُزنِيّ يلْزمه فعلى الصَّحِيح فِي جَوَاز الْخُرُوج من الصَّوْم وَجْهَان كالوجهين فِي رُؤْيَة المَاء فِي صَلَاة يسْقط فَرضهَا بِالتَّيَمُّمِ وَالله أعلم

(فرع) إِذا صَار وَاجِبَة الصَّوْم وَجب أَن يَنْوِي من اللَّيْل لكل يَوْم وَلَا يجب تعْيين جِهَة الْكَفَّارَة وَلَا نِيَّة التَّتَابُع على الْأَصَح وَيجب تتَابع الصَّوْم كَمَا هُوَ نَص الْقُرْآن الْعَظِيم فَلَو وطئ الْمظَاهر فِي اللَّيْل قبل تَمام الصَّوْم عصى إِلَّا أَنه لَا يقطع التَّتَابُع وَلَو أفطر يَوْمًا وَلَو أفطر الْيَوْم الْأَخير لزمَه الِاسْتِئْنَاف وَلَو غَلبه الْجُوع فَأفْطر بَطل التَّتَابُع ونسيان النِّيَّة فِي بعض اللَّيَالِي يقطع التَّتَابُع كتركها عمدا وَلَو شكّ بعد فرَاغ من صَوْم يَوْم هَل نوى فِيهِ أم لَا لم يلْزمه الِاسْتِئْنَاف على الصَّحِيح وَلَا أثر للشَّكّ بعد فرَاغ الْيَوْم ذكر الرَّوْيَانِيّ وَالْمَرَض يقطع التَّتَابُع على الْأَظْهر لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الصَّوْم بِخِلَاف الْجُنُون وَالْإِغْمَاء كالجنون وَقيل كالمرض وَفِي السّفر خلاف قيل كالمرض وَقيل يقطع قطعا لِأَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ كَذَا حَكَاهُ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَذْهَب أَنه يَنْقَطِع التَّتَابُع بِالْفطرِ فِي

السّفر وَلَو أكره على الْأكل فَأكل وَقُلْنَا يبطل صَوْمه انْقَطع التَّتَابُع لِأَنَّهُ سَبَب نَادِر هَذَا هُوَ الْمَذْهَب وَلَو استنشق فوصل المَاء إِلَى دماغه وَقُلْنَا يفْطر فَفِي انْقِطَاع تتابعه الْخلاف وَلَو أوجر مكْرها لم يفْطر وَلم يَنْقَطِع التَّتَابُع على مَا قطع بِهِ الْأَصْحَاب فِي كل الطّرق وَفِي وَجه يبطل وَيقطع التَّتَابُع وَالله أعلم

الْخصْلَة الثَّالِثَة الْإِطْعَام فَمن لم يسْتَطع الصَّوْم لهرم أَو مرض أَو مشقة شَدِيدَة أَو خَافَ زِيَادَة الْمَرَض فَلهُ أَن يكفر بِالْإِطْعَامِ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة وَهل يشْتَرط فِي الْمَرَض أَن لَا يُرْجَى زَوَاله أم لَا قَالَ الْأَكْثَرُونَ يشْتَرط وَقَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ إِن كَانَ يَدُوم شَهْرَيْن فِي غَالب الظَّن الْمُسْتَفَاد من الْأَطِبَّاء أَو من الْعرف فَلهُ الْعُدُول إِلَى الْإِطْعَام وَصحح النَّوَوِيّ مَا قَالَاه يَعْنِي الإِمَام وَالْغَزالِيّ قَالَ النَّوَوِيّ وَقد وَافق الإِمَام على ذَلِك آخَرُونَ وَالله أعلم فيطعم سِتِّينَ مِسْكينا لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة لكل مِسْكين مدا من قوت الْبَلَد إِذا كَانَ مِمَّا تجب فِيهِ الزَّكَاة وَالْمدّ رَطْل وَثلث بالبغدادي وَهُوَ مد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يجوز صرف الْكَفَّارَة إِلَى كَافِر وَلَا إِلَى هاشمي ومطلبي وَلَا إِلَى من تلْزمهُ نَفَقَته كَزَوْجَة وَقَرِيب وَلَا إِلَى عبد فَلَو صرف إِلَى عبد وسيده بِصفة الِاسْتِحْقَاق جَازَ إِن كَانَ بِإِذن السَّيِّد لِأَنَّهُ صرف إِلَى السَّيِّد وَيجوز الصّرْف إِلَى ولي الصَّغِير وَالْمَجْنُون وَالله أعلم

(فرع) لَو عجز عَن الْعتْق وَالصَّوْم وَلم يقدر إِلَّا على إطْعَام عشرَة أَو على مد وَاحِد لزمَه إِخْرَاجه بِلَا خلاف لِأَنَّهُ لَا بدل للاطعام فَلَو عجز عَن جَمِيع خِصَال الْكَفَّارَة اسْتَقَرَّتْ الْكَفَّارَة فِي ذمَّته على الْأَظْهر وَقَول الشَّيْخ وَلَا يحل وَطئهَا حَتَّى يكفر لِلْآيَةِ وَالله أعلم

(فرع) قَالَ لامْرَأَته أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي أَنْت لي كَظهر أُمِّي أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي نظر إِن كَانَ أَرَادَ التَّأْكِيد بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَة فَهُوَ ظِهَار وَاحِد فَإِن أمْسكهَا بعد المرات فَهُوَ عَائِد وَعَلِيهِ كَفَّارَة وَاحِدَة وَإِن أَرَادَ بِالثَّانِيَةِ ظِهَارًا آخر تعدّدت الْكَفَّارَة على الْجَدِيد وَإِن أطلق وَلم ينْو شَيْئا فَهَل يتحد الظِّهَار أم يَتَعَدَّد فِيهِ خلاف وَالْأَظْهَر الِاتِّحَاد وَبِه قطع ابْن الصّباغ وَالْمُتوَلِّيّ وَقد تقدم أَن الطَّلَاق إِذا كرر لَفظه وَأطلق يَتَعَدَّد الطَّلَاق وَالْفرق بَين الظِّهَار وَالطَّلَاق أَن الطَّلَاق أقوى لِأَنَّهُ يزِيل الْملك بِخِلَاف الظِّهَار وَبِأَن الطَّلَاق لَهُ عدد مَحْصُور وَالزَّوْج مَالك لَهُ فَإِذا كَرَّرَه كَانَ الظَّاهِر اسْتِئْنَاف الْمَمْلُوك وَالظِّهَار لَيْسَ بمتعدد فِي وَضعه وَلَا هُوَ مَمْلُوك للزَّوْج وَلَو تفاصلت المرات وَقصد بِكُل وَاحِدَة ظِهَارًا أَو أطلق فَكل مرّة ظِهَار بِرَأْسِهِ وَالله أعلم قَالَ