زاوية العلوم نسخة تجريبية
كفاية الأخيار في حل غاية الإختصار › كتاب الطلاق

باب الرجعة

بَاب الرّجْعَة فصل وَإِذا طلق امْرَأَته وَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ فَلهُ مراجعتها مَا لم تنقض عدتهَا فَإِن انْقَضتْ عدتهَا كَانَ لَهُ نِكَاحهَا وَتَكون مَعَه على مَا بَقِي من عدد الطَّلَاق

الرّجْعَة بِفَتْح الرَّاء على الْأَفْصَح وَكسرهَا لُغَة وَهِي فِي الشَّرْع عبارَة عَن الرَّد إِلَى النِّكَاح بعد طَلَاق غير بَائِن على وَجه مَخْصُوص

وَالْأَصْل فِيهَا الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} الْآيَة قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالرَّدّ الرّجْعَة باجماع الْمُفَسّرين وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَفِي قصَّة ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا مره فَلْيُرَاجِعهَا

وَعَن عمر رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طلق حَفْصَة ثمَّ رَاجعهَا فَإِذا طلق الْحر امْرَأَته وَاحِدَة أَو طَلْقَتَيْنِ أَو العَبْد طَلْقَة بعد الدُّخُول بِلَا عوض فَلهُ مراجعتها

قبل أَن تَنْقَضِي الْعدة لما تقدم من الْأَدِلَّة وَتَصِح الرّجْعَة بالعجمية على الصَّحِيح سَوَاء أحسن الْعَرَبيَّة أم لَا وَلَا يشْتَرط فِيهَا الْإِشْهَاد على الصَّحِيح وَلَا تقبل التَّعْلِيق فَلَو قَالَ رَاجَعتك إِن شِئْت فَقَالَت شِئْت لم تصح وَيشْتَرط أَن تكون المرتجعة مُعينَة فَلَو طلق إِحْدَى زوجتيه مُبْهما ثمَّ قَالَ راجعت الْمُطلقَة لم يَصح على الْأَصَح وَلَا يشْتَرط رضَا الزَّوْجَة فِي ذَلِك نعم يشْتَرط أَن تكون الرّجْعَة بالْقَوْل الصَّرِيح للقادر لِأَن الرّجْعَة اسْتِبَاحَة بضع مَقْصُود فَلم تصح بِغَيْر القَوْل كَالنِّكَاحِ وَلَا تصح بِالْوَطْءِ والقبلة والمباشرة بِشَهْوَة

وَصِيغَة الرّجْعَة أَن يَقُول رَاجَعتك أَو ارتجعتك أَو رجعتك وَهَذِه الثَّلَاث صَرِيحَة وَيسْتَحب أَن يضيف إِلَى النِّكَاح أَو الزَّوْجِيَّة أَو نَفسه وَلَا يشْتَرط ذَلِك نعم لَا بُد من إِضَافَة هَذِه الْأَلْفَاظ إِلَى مظهر أَو مُضْمر كَقَوْلِه راجعت فُلَانَة أَو رَاجَعتك أما مُجَرّد راجعت فَلَا يَكْفِي وَلَو قَالَ رَددتهَا فَالْأَصَحّ أَنه صَرِيح فعلى هَذَا يشْتَرط أَن يَقُول إِلَى نِكَاحي على الصَّحِيح وَلَو قَالَ أمسكتك فَهَل هُوَ كِنَايَة أم صَرِيح فِيهِ خلاف صحّح الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر أَنه صَرِيح وَنَقله عَنهُ فِي الرَّوْضَة وَسكت عَلَيْهِ قَالَ الاسنوي الصَّوَاب أَنه كِنَايَة فقد قَالَ فِي الْبَحْر إِن الشَّافِعِي نَص عَلَيْهِ فِي عَامَّة كتبه وَلَو قَالَ تَزَوَّجتك أَو نكحتك فَهَل هُوَ كِنَايَة أم صَرِيح فِيهِ خلاف الْأَصَح فِي أصل الرَّوْضَة أَنه كِنَايَة وَاعْلَم أَن صرائح الرّجْعَة محصورة على الصَّحِيح لِأَن صرائح الطَّلَاق محصورة فالرجعة الَّتِي تحصل اباحته أولى ثمَّ شَرط صِحَة الرّجْعَة بَقَاؤُهَا فِي الْعدة وَكَونهَا قَابِلَة للْحلّ فَلَو ارْتَدَّت أَو هُوَ فَرَاجعهَا فِي الْعدة لم تصح الرّجْعَة لِأَن الْمحل غير حَلَال فِي هَذِه الْحَالة كَمَا لَا يَصح نِكَاحهَا فَلَو انْقَضتْ عدتهَا فَاتَت الرّجْعَة بِحُصُول الْبَيْنُونَة ثمَّ إِن جدد نِكَاحهَا قبل أَن تنْكح زوجا آخر أَو بعده وَقبل الاصابة أَو بعد الْإِصَابَة عَادَتْ إِلَيْهِ بِمَا بَقِي من عدد الطَّلَاق وَلَا يهدم الزَّوْج الثَّانِي مَا وَقع من الطَّلَاق وَاحْتج الْأَصْحَاب بِمَا رُوِيَ عَن عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه سُئِلَ عَمَّن طلق امْرَأَته طَلْقَتَيْنِ وَانْقَضَت عدتهَا فَتزوّجت غَيره وفارقها ثمَّ تزَوجهَا الأول فَقَالَ هِيَ عِنْده بِمَا بَقِي من الطَّلَاق وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ وَزيد ومعاذ وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ وَبِه قَالَ عُبَيْدَة السَّلمَانِي وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ رَضِي الله عَنْهُم وَلِأَن الطَّلقَة والطلقتين لَا يؤثران فِي التَّحْرِيم المحوج إِلَى زوج آخر فَالنِّكَاح الثَّانِي وَالدُّخُول فِيهِ لَا يهدمانها كَوَطْء السَّيِّد الْأمة الْمُطلقَة وَالله أعلم قَالَ

(فَإِن طَلقهَا ثَلَاثًا فَلَا تحل لَهُ إِلَّا بعد وجود خَمْسَة أَشْيَاء انْقِضَاء عدتهَا مِنْهُ وَتَزَوجهَا بِغَيْرِهِ ودخوله بهَا وبينونتها وانقضاء عدتهَا مِنْهُ)

إِذا طلق الْحر امْرَأَته ثَلَاثًا أَو العَبْد طَلْقَتَيْنِ سَوَاء كَانَ قبل الدُّخُول أَو بعده وَسَوَاء كَانَ الطَّلَاق

فِي نِكَاح وَاحِد أَو أَكثر سَوَاء كَانَ الطَّلَاق الثَّلَاث بِلَفْظ وَاحِد أَو أَكثر حرمت عَلَيْهِ حَتَّى تنْكح زوجا غَيره ويطأها فِي الْفرج ويطلقها وتنقضي عدتهَا لقَوْله تَعَالَى {فَإِنْ طَلَّقَهَا} أَي ثَلَاثَة {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} وَاعْلَم أَن النِّكَاح جَاءَ بِمَعْنى العقد فِي قَوْله {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} وَبِمَعْنى الْوَطْء فِي قَوْله تَعَالَى {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً} وترجحت هُنَا إِرَادَة الْوَطْء بورود السّنة قَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا جَاءَت امْرَأَة رِفَاعَة إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت إِنِّي كنت عِنْد رِفَاعَة فطلقني فَبت طَلَاقي فَتزوّجت بعده بِعَبْد الرَّحْمَن بن الزبير بِفَتْح الزَّاي وَإِن مَا مَعَه مثل هدبة الثَّوْب فَقَالَ عبد الرَّحْمَن كذبت يَا رَسُول الله وَالله إِنِّي لأعركها عَرك الْأَدِيم فَتَبَسَّمَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ تريدين أَن تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَة لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك وَأَرَادَ بِهِ الْوَطْء وَسميت عسيلة تَشْبِيها بالعسل ولأنا لَو لم نجْعَل الاصابة شرطا لَكَانَ التَّزْوِيج لأجل الْإِحْلَال لَا للاستمتاع وَالنِّكَاح إِنَّمَا يُرَاد الِاسْتِمْتَاع لَا للاحلال وَالله أعلم

(فرع) الْعدة تكون بِالْحملِ أَو الاقراء أَو الْأَشْهر فَإِذا ادَّعَت الْمُعْتَدَّة بِالْأَشْهرِ انْقِضَاء عدتهَا فَأنْكر الزَّوْج صدق بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ اخْتِلَاف فِي وَقت طَلَاقه وَأما عدَّة الْحَامِل فتنقضي بِوَضْع الْحمل التَّام الْمدَّة حَيا كَانَ أَو مَيتا أَو نَاقض الْأَعْضَاء وبانقضاء مَا ظهر فِيهِ صُورَة الْآدَمِيّ فَإِن لم يظْهر فَقَوْلَانِ فَإِذا ادَّعَت وضع حمل أَو سقط أَو مُضْغَة إِذا اكتفينا بهَا صدقت بِيَمِينِهَا وَقيل لَا بُد من بَيِّنَة وَأما الْمُعْتَدَّة بالإقراء فَإِن طلقت فِي الظّهْر حسبت بَقِيَّة الطُّهْر قرءاً وَإِن طلقت فِي الْحيض اشْترط مُضِيّ ثَلَاثَة أطهار كَامِلَة ثمَّ إِن لم يكن لَهَا عَادَة فِي الْحيض مُسْتَقِيمَة بِأَن لم تكن حَاضَت ثمَّ طَرَأَ حَيْضهَا أَو كَانَ لَهَا عَادَة مطردَة صدقت بِيَمِينِهَا إِذا ادَّعَت انْقِضَاء الإقراء الامكان فَإِن نكلت عَن الْيَمين حلف الزَّوْج وَكَانَ لَهُ الرّجْعَة وَإِن كَانَ لَهَا عَادَة مُسْتَقِيمَة صدقت فِي انْقِضَائِهَا على وفْق الْعَادة وَهل تصدق فِيمَا دونهَا مَعَ الامكان وَجْهَان أصَحهمَا عِنْد الْأَكْثَرين تصدق بِيَمِينِهَا لِأَن الْعَادة قد تَتَغَيَّر وَالله أعلم

(فرع) طلق زَوجته ثَلَاثًا ثمَّ غَابَ عَنْهَا ثمَّ حضر أَو لم يحضر وَادعت أَنَّهَا تزوجت بِزَوْج آخر أحلهَا أَو كَانَ قد مضى زمن يُمكن فِيهِ صدقهَا وَلم يَقع فِي قلبه صدقهَا كره لَهُ أَن يَتَزَوَّجهَا للِاحْتِيَاط وَلَا يحرم لاحْتِمَال صدقهَا ولتعذر الْبَيِّنَة على الْوَطْء وانقضاء الْعدة قَالَ الإِمَام وَكَيف لَا والأجنبية

تنْكح اعْتِمَادًا على قَوْلهَا إِنَّهَا خلية عَن الْمَوَانِع وَهل يجب على الزَّوْج الْبَحْث عَن الْحَال قَالَ الرَّوْيَانِيّ يجب عَلَيْهِ فِي زَمَاننَا هَذَا وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق يسْتَحبّ وَالله أعلم قَالَ