بَاب الْمُزَارعَة وَالْمُخَابَرَة فصل فِي الْمُزَارعَة وَالْمُخَابَرَة وَإِذا دفع إِلَى رجل أَرضًا ليزرعها شَرط لَهُ جُزْءا مَعْلُوما من زَرعهَا لم يجز وَإِن اكتراه بِذَهَب أَو فضَّة أَو شَرط لَهُ طَعَاما مَعْلُوما فِي ذمَّته جَازَ
الْمُزَارعَة وَالْمُخَابَرَة هَل هما بِمَعْنى أم لَا قَالَ الرَّافِعِيّ الصَّحِيح وَظَاهر نَص الشَّافِعِي أَنَّهُمَا عقدان مُخْتَلِفَانِ فالمخابرة هِيَ الْمُعَامَلَة على الأَرْض بِبَعْض مَا يخرج مِنْهَا والمزارعة هِيَ اكتراء الْعَامِل ليزرع الأَرْض بِبَعْض مَا يخرج مِنْهَا وَالْمعْنَى لَا يخْتَلف قَالَ النَّوَوِيّ وَمَا صَححهُ الرَّافِعِيّ هُوَ الصَّوَاب وَقَول العمراني إِن أَكثر أَصْحَابنَا قَالُوا هما بِمَعْنى لم يُوَافق عَلَيْهِ نبهت عَلَيْهِ لِئَلَّا يغتر بِهِ وَالله أعلم قلت لم ينْفَرد بذلك العمراني بل نقل صَاحب التموية أَنَّهُمَا بِمَعْنى وَاحِد عَن أَكثر الْأَصْحَاب وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيّ هما بِمَعْنى وَلَا يعرف فِي اللُّغَة بَينهمَا فرق وَقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب هما بِمَعْنى وَهُوَ ظَاهر نَص الشَّافِعِي وَقَالَ الْجَوْهَرِي الْمُزَارعَة المخابرة وَالله أعلم
وَاعْلَم أَن الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ قَالَا إِن الْمُزَارعَة يكون النّذر فِيهَا من الْمَالِك وَالْمُخَابَرَة يكون النّذر فِيهَا من الْعَامِل وَبِالْجُمْلَةِ فالمزارعة وَالْمُخَابَرَة باطلان فَفِي الصَّحِيحَيْنِ النَّهْي عَن المخابرة فَإِن كَانَتَا بِمَعْنى فَلَا كَلَام وَإِلَّا قسنا الْمُزَارعَة على المخابرة مَعَ أَنه رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام نهى عَن الْمُزَارعَة وَأمر بالمؤاجرة وَقَالَ لَا بَأْس بهَا وسر النَّهْي أَن تَحْصِيل مَنْفَعَة الأَرْض مُمكنَة بِالْإِجَارَة فَلم يجز الْعَمَل عَلَيْهَا بِبَعْض مَا يخرج مِنْهَا كالمواشي بِخِلَاف الشّجر وَقَالَ ابْن سُرَيج يجوز الْمُزَارعَة وَقَالَ النَّوَوِيّ قَالَ بِجَوَاز الْمُزَارعَة وَالْمُخَابَرَة من كبار أَصْحَابنَا أَيْضا ابْن خُزَيْمَة وَابْن الْمُنْذر والخطابي وصنف فِيهَا ابْن خُزَيْمَة جُزْءا وَبَين فِيهِ علل الْأَحَادِيث الْوَارِدَة بِالنَّهْي عَنْهَا وَجمع بَين أَحَادِيث الْبَاب ثمَّ تَابعه الْخطابِيّ وَقد ضعف أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله تَعَالَى حَدِيث النَّهْي وَقَالَ هُوَ مُضْطَرب كثير الألوان قَالَ الْخطابِيّ وأبطلها مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ رَحِمهم الله تَعَالَى لأَنهم لم يقفوا على علته قَالَ والمزارعة جَائِزَة وَهِي من عمل الْمُسلمين فِي جَمِيع الْأَمْصَار لَا يبطل الْعَمَل بهَا أحد هَذَا كَلَام الْخطابِيّ وَالْمُخْتَار جَوَاز الْمُزَارعَة وَالْمُخَابَرَة وَتَأْويل الْأَحَادِيث على مَا إِذا اشْترط لوَاحِد زرع قِطْعَة مُعينَة وَلآخر آخرى وَالْمَعْرُوف فِي الْمَذْهَب إبِْطَال هَذِه الْمُعَامَلَة وَالله أعلم هَذَا كَلَام الرَّوْضَة وَقَالَ فِي شرح مُسلم إِن الْجَوَاز هُوَ الظَّاهِر الْمُخْتَار لحَدِيث خَيْبَر وَلَا يقبل دَعْوَى كَون الْمُزَارعَة فِي خَيْبَر إِنَّمَا جَازَت تبعا للمساقاة بل جَازَت مُسْتَقلَّة لِأَن الْمَعْنى المجوز للمساقاة مَوْجُود فِي الْمُزَارعَة وَقِيَاسًا على الْقَرَاض فَإِنَّهُ جَائِز بِالْإِجْمَاع وَهُوَ
كالمزارعة فِي كل شَيْء والمسلمون فِي جَمِيع الْأَمْصَار والأعصار مستمرون على الْعَمَل بالمزارعة وَقد قَالَ بِجَوَاز الْمُزَارعَة أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بن أبي ليلى وَسَائِر الْكُوفِيّين والمحدثين وَالله أعلم
فَإِذا فرعنا على الْبطلَان فالطريق كَمَا قَالَه الشَّيْخ أَن يستأجره بِأُجْرَة مَعْلُومَة نَقْدا كَانَ أَو غَيره وَمَا قَالَه الشَّيْخ فَحَمله كَمَا ذكره فِي الأَرْض خَاصَّة أما لَو دفع إِلَيْهِ أَرضًا فِيهَا أَشجَار فساقاه على النّخل وزارعه على الأَرْض فَإِنَّهُ يجوز وَتَكون الْمُزَارعَة تبعا للمساقاة بِشَرْط أَن يكون الْبذر من صَاحب الأَرْض على الْأَصَح وَلَا فرق بَين كَثْرَة الْأَشْجَار وقلتها وَعكس على الرَّاجِح لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أعْطى أهل خَيْبَر بِشَطْر مَا يخرج مِنْهَا من ثَمَر أَو زرع وَإِنَّمَا اشْترط كَون الْبذر من الْمَالِك ليَكُون العقدان أَعنِي الْمُسَاقَاة والمزارعة واردين على الْمَنْفَعَة فتتحقق التّبعِيَّة وَلِهَذَا لَو أمكن سقِِي النخيل بِدُونِ سقِِي الأَرْض لم تجز الْمُزَارعَة وَالله أعلم
فَإِن قلت مَا الْحِيلَة فِي تَصْحِيح عقد يحصل بِهِ مَقْصُود الْمُزَارعَة إِذا لم يكن ثمَّ نخل
فَالْجَوَاب ذكر الْأَصْحَاب لذَلِك طرقاً فنقتصر مِنْهَا على مَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَصُورَة ذَلِك أَن يكتري صَاحب الأَرْض نصفهَا بِنصْف عمل الْعَامِل وَنصف عمل الْآلَة وَيكون الْبذر مُشْتَركا بَينهمَا فيشتركان فِي الزَّرْع على حسب الِاشْتِرَاك فِي الْبذر وَالله أعلم قَالَ