بَاب الصُّلْح فصل وَيصِح الصُّلْح مَعَ الْإِقْرَار فِي الْأَمْوَال وَمَا أفْضى إِلَيْهَا وَهُوَ نَوْعَانِ إِبْرَاء ومعاوضة فالإبراء اقْتِصَاره من حَقه على بعضه وَلَا يجوز على شَرط والمعاوضة عدوله عَن حَقه إِلَى غَيره وَيجْرِي عَلَيْهِ حكم البيع
الصُّلْح فِي اللُّغَة قطع الْمُنَازعَة وَفِي الِاصْطِلَاح هُوَ العقد الَّذِي يَنْقَطِع بِهِ خُصُومَة المتخاصمين
وَالْأَصْل فِيهِ الْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} وَفِي السّنة المطهرة قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام
(الصُّلْح جَائِز بَين الْمُسلمين) وَفِي رِوَايَة
(إِلَّا صلحا أحل حَرَامًا أَو حرم حَلَالا)
إِذا عرفت هَذَا فَالصُّلْح تَارَة يَقع مَعَ الْإِنْكَار وَتارَة مَعَ الْإِقْرَار فَالصُّلْح مَعَ الْإِنْكَار بَاطِل وَمَعَ الْإِقْرَار صَحِيح وَهُوَ كَمَا ذكره الشَّيْخ نَوْعَانِ إِبْرَاء ومعاوضة وَصُورَة الْإِبْرَاء بِلَفْظ الصُّلْح وَيُسمى صلح الحطيطة بِأَن يَقُول صالحتك على الْألف الَّذِي لي عَلَيْك على خَمْسمِائَة فَهُوَ إِبْرَاء عَن بعض الدّين بِلَفْظ الصُّلْح وَفِيه وَجْهَان الْأَصَح الصِّحَّة وَفِي اشْتِرَاط الْقبُول وَجْهَان كالوجهين فِيمَا لَو قَالَ من عَلَيْهِ دين وهبته لَك وَالأَصَح الِاشْتِرَاط لِأَن اللَّفْظ بِوَضْعِهِ يَقْتَضِيهِ وَلَو صَالح من ألف على خَمْسمِائَة مُعينَة جرى الْوَجْهَانِ وَرَأى إِمَام الْحَرَمَيْنِ الْفساد هُنَا أظهر وَيشْتَرط قبض الْخَمْسمِائَةِ فِي الْمجْلس هَذَا وهم فَإِن الْأَصَح أَنه لَا يشْتَرط الْقَبْض فِي الْمجْلس كَمَا فِي الْمِنْهَاج وَغَيره وَلَا يشْتَرط تَعْيِينهَا فِي نفس الصُّلْح على الْأَصَح وَلَو صَالح من ألف حَال على ألف مُؤَجل أَو عسكه فَبَاطِل لِأَن لأجل لَا يلْحق وَلَا يسْقط وَلَا يَصح تَعْلِيق هَذَا الصُّلْح على شَرط لِأَنَّهُ إِبْرَاء وتعليف الْإِبْرَاء لَا يَصح وَالله أعلم
النَّوْع الثَّانِي صلح الْمُعَاوضَة وَهُوَ الَّذِي يجْرِي على غير الْعين المدعاة بِأَن ادّعى عَلَيْهِ دَارا مثلا فاقر بهَا وَصَالَحَهُ مِنْهَا على عبد أَو على دَابَّة أَو ثوب فَهَذَا حكمه كَمَا قَالَه الشَّيْخ حكم الْمَبِيع وَإِن عقد بِلَفْظ الصُّلْح نظر إِلَى الْمَعْنى وَيتَعَلَّق بِهِ جَمِيع أَحْكَام البيع كالرد بِالْعَيْبِ وَالْأَخْذ بِالشُّفْعَة وَالْمَنْع من التَّصَرُّف قبل الْقَبْض وَالْقَبْض فِي الْمجْلس إِن كَانَ الْمصَالح عَلَيْهِ والمصالح عَنهُ ربوياً متفقين فِي عِلّة الرِّبَا وَاشْتِرَاط التَّسَاوِي فِي معيار الشَّرْع إِن كَانَا جِنْسا وَاحِدًا وَيفْسد بالغرر وَالْجهل وبالشروط الْفَاسِدَة كفساد البيع وَلَو صَالحه منا على مَنْفَعَة دَار أَو دَابَّة مُدَّة مَعْلُومَة جَازَ وَيكون هَذَا الصُّلْح إجَازَة فَيثبت فِيهِ أَحْكَام الْإِجَارَة وَلَو صَالحه على بعض الْعين المدعاة كمن صَالح من الدَّار المدعاة على نصفهَا أوثلثها أَو من الْعَبْدَيْنِ على أَحدهمَا أَو من الغنيمتين كَذَلِك فَهَذَا هبة بعض الْمُدَّعِي لمن هُوَ فِي يَده فَيشْتَرط لصِحَّة الْهِبَة الْقبُول ومضي زمَان يُمكن فِيهِ
الْقَبْض وَيصِح هذابلفظ العبة وماهو فِي مَعْنَاهُ وَفِي صِحَّته بِلَفْظ الصُّلْح وَجْهَان الصَّحِيح الصِّحَّة وَلَا يَصح هَذَا الصُّلْح بِلَفْظ البيع وَقَول الشَّيْخ فِي الْأَمْوَال هُوَ كَمَا ذكرنَا وَقَوله وَفِيمَا أفْضى إِلَيْهِمَا كَمَا إِذا ثَبت لَهُ قصاص فَصَالح عَلَيْهِ بِلَفْظ الصُّلْح صَحَّ وَإِن صَالح بِلَفْظ البيع فَلَا وَأما مَا لَيْسَ بِمَال يؤول إِلَى المَال كَحَد الْقَذْف فَلَا يَصح الصُّلْح عَلَيْهِ بعوض وَالله أعلم قَالَ
(وَيجوز للْإنْسَان أَن يشرع روشناً فِي طَرِيق نَافِذ لَا يتَضَرَّر الْمَارَّة بِهِ وَلَا يجوز فِي الدَّرْب الْمُشْتَرك إِلَّا بِإِذن أهل الدَّرْب وَيجوز تَقْدِيم الْبَاب فِي الدَّرْب الْمُشْتَرك وَلَا يجوز تَأْخِيره إِلَّا بِإِذن الشُّرَكَاء)
اعْلَم أَن الطَّرِيق قِسْمَانِ نَافِذ وَغَيره فالنافذ لَا يخْتَص بأحذ بل كل النَّاس يسْتَحقُّونَ الْمُرُور فِيهِ فَلَيْسَ لأحد أَن يتَصَرَّف فِيهِ بِمَا يضر الْمَارَّة كإشراع جنَاح وَبِنَاء ساباط لِأَن الْحق لَيْسَ لَهُ فَإِن فعل فَهَل لكل أحد أَن يهدمه وَجْهَان حَكَاهُمَا ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب وبشرط أَن يعليه بِحَيْثُ يمر الْمَاشِي منتصباً قَالَ المارودي وعَلى رَأسه مَا يحملهُ قَالَ ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب وَهُوَ الْأَشْبَه هَذَا إِذا اخْتصَّ بالمشاة فَإِن كَانَ يمر فِيهِ الفرسان والقوافل فيرفعه بِحَيْثُ يمر فِيهِ الْبَعِير وَعَلِيهِ المحارة وَنَحْوهَا
والاصل فِي جَوَاز الإشراع أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام
(نصب بِيَدِهِ الْكَرِيمَة ميزاباً فِي دَار عَمه الْعَبَّاس رَضِي الله عَنهُ) وَكَانَ شَارِعا إِلَى مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا ورد النَّص فِي الْمِيزَاب قسنا عَلَيْهِ الْبَاقِي
وَاعْلَم أَنه يشْتَرط فِي المشرع أَن يكون مُسلما فَإِن كَانَ ذِمِّيا لم يجز لَهُ الْإِخْرَاج إِلَى شوارع الْمُسلمين على الْأَصَح فِي زِيَادَة الرَّوْضَة لِأَنَّهُ كإعلاء الْبناء على الْمُسلمين أَو أبلغ قَالَ ابْن الرّفْعَة وسلوكهم طَرِيق الْمُسلمين لَيْسَ عَن اسْتِحْقَاق بل بطرِيق التبع للْمُسلمين وَلَو كَانَ الشَّارِع مَوْقُوفا فَمَا حكمه هَل هُوَ كالمملوك أم لَا توقف فِيهِ ابْن الرّفْعَة وَقَضِيَّة إِطْلَاق الشَّيْخ أَنه لَا فرق وَقَول الشَّيْخ وَيجوز أَن يشرع أَي يخرج جنَاحا وَحذف ذَلِك للْعلم بِهِ وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنه لَا يجوز غَيره كبناء دكة وغرس شجر وَهُوَ كَذَلِك إِن ضرّ بِلَا خلاف وَكَذَا إِن لم يضر على الرَّاجِح نعم يجوز أَن يفتح الْأَبْوَاب فِي الشوارع كَيْفَمَا شَاءَ الفاتح وَالله أعلم
(فرع) يحرم على الإِمَام أَو غَيره أَن يُصَالح على إشراع الْجنَاح لِأَن الْهَوَاء لَا يفرد بِالْعقدِ
وَإِنَّمَا يتبع الْقَرار وَلِأَنَّهُ إِن ضرّ لم يجز فعله وَإِن لم يضر فالمخرج يسْتَحقّهُ وَمَا يسْتَحقّهُ الْإِنْسَان فِي الطَّرِيق لَا يجوز أَخذ الْعِوَض عَنهُ كالمرور وَأما الدَّرْب المسدود إِذا كَانَ مُشْتَركا فَيحرم على غير أَهله أَن يشرع إِلَيْهِ جنَاحا بِغَيْر إذْنهمْ لِأَنَّهُ ملكهم كَذَا علله الْأَصْحَاب
قلت وَمُقْتَضَاهُ أَنه لَا يجوز لغير أهل الدَّرْب الدُّخُول فِيهِ بِغَيْر إذْنهمْ وَأجَاب الإِمَام أَن الدُّخُول للْغَيْر مُسْتَفَاد من قَرَائِن الْأَحْوَال قَالَ الأسنائي وَمُقْتَضى هَذَا الْجَواب أَنه لَا يجوز الدُّخُول إِذا كَانَ فِي الْمُسْتَحقّين مَحْجُور عَلَيْهِ لِأَن الْإِجَابَة ممتنعة مِنْهُ وَمن وليه وَقد توقف ابْن عبد السَّلَام أَيْضا فِي الشّرْب من أنهارهم وَغَيرهَا وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن لَيْسَ لأحد أَن يجلس فِي دربهم بِغَيْر إذْنهمْ وَالله أعلم وَقَول الشَّيْخ إِلَّا بِإِذن أهل الدَّرْب هُوَ أَعم من الْأَجَانِب وَمن أَصْحَابه وَهُوَ كَذَلِك لِأَن الْأَمْلَاك الْمُشْتَركَة هَذَا شَأْنهَا لَا يجوز التَّصَرُّف فِيهَا إِلَّا بِإِذن بَقِيَّة الشُّرَكَاء وَلِهَذَا يحرم على الشَّرِيك أَن يترب الْكتاب من الْحَائِط الْمُشْتَرك إِلَّا بِإِذن الشَّرِيك وَاعْلَم أَن أهل الدَّرْب المسدود من لَهُ فِيهِ بَاب نَافِذ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يسْتَحق الِانْتِفَاع وَيسْتَحق كل وَاحِد من بَاب دَاره إِلَى رَأس الدَّرْب دون مَا يَلِي آخر الدَّرْب على الصَّحِيح لِأَن ذَلِك الْقدر هُوَ مَحل تردده وَمَا عدا ذَلِك هُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ فِيهِ فَإِذا أَرَادَ أَن يفتح بَابا إِلَى دَاخله منع إِلَّا برضاهم وَإِن أَرَادَ أَن يُؤَخر بَابه إِلَى رَأس الدَّرْب فَلهُ دلك لِأَنَّهُ ترك بعض حَقه بِشَرْط أَن يسد الأول وَاعْلَم أَن وضع الْمِيزَاب كفتح الْبَاب ثمَّ حَيْثُ منع الشَّخْص من فتح بَاب فَصَالح أهل الدَّرْب بِمَال صَحَّ لِأَنَّهُ انْتِفَاع بِالْأَرْضِ بِخِلَاف إشراع الْجنَاح كَمَا مر الْفُرُوع وَالله أعلم
(فرع) للشَّخْص فتح طاقات فِي ملكه كَيفَ شَاءَ إِذْ لَا حجر عَلَيْهِ وَلَو أَرَادَ أَن يفتح بَابا فِي الدَّرْب المسدود ويسمره فَهَل لَهُ ذَلِك بِغَيْر رضى أَهله وَجْهَان
أَحدهمَا لَا كَمَا لَو قَالَ أَنا أَتَّخِذ آنِية من ذهب أَو فضَّة وَلَا أستعملها فَإِنَّهُ يمْنَع من ذَلِك وَالرَّاجِح فِي الْبَاب الْجَوَاز دون الْأَوَانِي لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ رفع حَائِطه بِكَمَالِهِ كَانَ لَهُ ذَلِك فَهَذَا أولى وَالله أعلم قَالَ