زاوية العلوم نسخة تجريبية
كفاية الأخيار في حل غاية الإختصار › كتاب البيوع وغيرها من المعاملات

باب الرهن

بَاب الرَّهْن فصل وكل مَا جَازَ بَيْعه جَازَ رَهنه فِي الدُّيُون إِذا اسْتَقر ثُبُوتهَا فِي الذِّمَّة

الرَّهْن فِي اللُّغَة الثُّبُوت وَقيل الاحتباس وَمِنْه {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} وَفِي

الشَّرْع جعل المَال وَثِيقَة بدين

وَالْأَصْل فِيهِ الْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} وَفِي السّنة مَا ورد أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام

(رهن درعاً عِنْد يَهُودِيّ على شعير لأَهله) ثمَّ الْمَقْصُود من الرَّهْن بيع الْعين الْمَرْهُونَة عِنْد الِاسْتِحْقَاق وَاسْتِيفَاء الْحق مِنْهَا وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخ كل مَا جَازَ بَيْعه جَازَ رَهنه وَمُقْتَضَاهُ أَنه لَا يجوز رهن مَالا يجوز بَيْعه وَذَلِكَ كرهن الْمَوْقُوف وَرهن أم الْوَلَد وَمَا أشبه ذَلِك فَلَا يَصح رَهنه وَهُوَ كَذَلِك لفَوَات الْمَقْصُود مِنْهُ

ثمَّ شَرط الْمَرْهُون كَونه عينا على الرَّاجِح فَلَا يَصح رهن الدّين لِأَن شَرط الْمَرْهُون أَن يكون مِمَّا يقبض وَالدّين لَا يُمكن قَبضه وَإِذا قَبضه خرج عَن كَونه دينا وَيشْتَرط فِي الْمَرْهُون بِهِ أَن يكون دينا مُسْتَقرًّا وَاحْترز الشَّيْخ بِالدّينِ عَن الْعين فَلَا يَصح الرَّهْن على الْعين كَالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَة والمتسعارة وَجَمِيع الْأَعْيَان الْمَضْمُونَة لِأَن الْمَقْصُود اسْتِيفَاء الدّين من الْعين الْمَرْهُونَة وَلَا يتَصَوَّر اسْتِيفَاء الْعين من الْعين وَقيل يجوز كَمَا يجوز ضَمَانهَا وَقَوله إِذا اسْتَقر ثُبُوتهَا يَقْتَضِي أَن الدّين قبل استقراره وَذَلِكَ كَدين السّلم وَكَذَلِكَ يَصح بِمَا يؤول إِلَى اللُّزُوم كَالثّمنِ فِي زمن الْخِيَار وَيشْتَرط فِي الدّين أَن يكون مَعْلُوما لَهما قَالَه ابْن عَبْدَانِ وَصَاحب الِاسْتِقْصَاء وَأَبُو خلف الطَّبَرِيّ وَجزم بِهِ ابْن الرّفْعَة وَهِي مَسْأَلَة حَسَنَة مهمة وَلم أرها فِي الشَّرْح وَلَا فِي الرَّوْضَة وَالله أعلم قَالَ

(وللراهن الرُّجُوع فِيهِ مالم يقبضهُ)

قبض الْمَرْهُون أحد أَرْكَان الرَّهْن فِي لُزُومه فَلَا يلْزم إِلَّا بِقَبْضِهِ قَالَ الله تَعَالَى {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} وَصفه بِالْقَبْضِ فَكَانَ شرطا فِيهِ كوصفه الرَّقَبَة بِالْإِيمَان وَالشَّهَادَة بِالْعَدَالَةِ فَلَو رهن وَلم يقبض فَلهُ فسخ ذَلِك لِأَنَّهُ قبل الْإِقْبَاض عقد جَائِز من جِهَة الرَّاهِن فَلهُ الرُّجُوع فِيهِ كزمن الْخِيَار فِي البيع فَإِذا قَبضه لزم وَلَيْسَ لَهُ حينئد الرُّجُوع للُزُوم العقد ثمَّ الرُّجُوع قد يكون بالْقَوْل وَقد

يكون بِالْفِعْلِ فَإِذا تصرف الرَّاهِن فِي الْمَرْهُون بِمَا يزِيل الْملك بَطل الرَّهْن كَالْبيع وَالْإِعْتَاق وَجعله صَدَاقا أَو أُجْرَة أَو رَهنه عِنْد آخر وأقبضه أَو وهبه وأقبضه فَكل ذَلِك رُجُوع وَلَو أجر الْمَرْهُون فَهَل هُوَ رُجُوع ينظر إِن كَانَت الْإِجَارَة تَنْقَضِي قبل مَحل الدّين فَلَيْسَ بِرُجُوع قطعا عِنْد الْعِرَاقِيّين وَالْمُتوَلِّيّ وَقطع بِهِ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَالْبَغوِيّ وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي كَذَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة وَإِن كَانَ الدّين يحل قبل انْقِضَاء الْإِجَازَة فَإِن جَوَّزنَا رهن الْمَأْجُور وَبيعه وَهُوَ الْأَصَح فَلَيْسَ بِرُجُوع وَلَو وطئ الْجَارِيَة الْمَرْهُونَة فَإِن أحبلها فَهُوَ رُجُوع وَإِن لم تحبل أَو زَوجهَا فَلَيْسَ بِرُجُوع وَقَول الشَّيْخ وللراهن الرُّجُوع فِيهِ يَعْنِي فِي الْمَرْهُون وَيجوز رُجُوعه إِلَى عقد الرَّهْن وَقَوله مَا لم يقبضهُ رَاجع إِلَى الْمَرْهُون لَيْسَ إِلَّا للاستقرار وَالله أعلم قَالَ

(وَلَا يضمنهُ الْمُرْتَهن إِلَّا بِالتَّعَدِّي)

الْمَرْهُون أَمَانَة فِي يَد الْمُرْتَهن لِأَن قَبضه بِإِذن الرَّاهِن فَكَانَ كَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجرَة فَلَا يضمنهُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي كَسَائِر الْأَمَانَات فَلَو تلف الْمَرْهُون بِغَيْر تعد لم يضمنهُ وَلم يسْقط من الدّين شَيْء لِأَنَّهُ وَثِيقَة فِي دين فَلَا يسْقط الدّين بتلفه كموت الضَّامِن وَالشَّاهِد

وَاعْلَم أَن الْمَرْهُون بعد زَوَال الرَّاهِن أَمَانَة فِي يَد الْمُرْتَهن لَا يضمنهُ إِذا تلف إِلَّا بِالتَّعَدِّي وَلَو ادّعى الْمُرْتَهن تلف الْمَرْهُون صدق بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ أَمِين وَهَذَا إِذا لم يذكر سَببا أَو ذكر سَببا خفِيا فَإِذا ذكر سَببا ظَاهرا لم يقبل إِلَّا بِبَيِّنَة لِإِمْكَان إِقَامَة الْبَيِّنَة على السَّبَب الظَّاهِر بِخِلَاف الْخَفي فَإِنَّهُ يتَعَذَّر أَو يتعسر وَلَو ادّعى الرَّد لم يقبل إِلَّا بِبَيِّنَة لِأَنَّهُ لَا تعسر للبينة وَلِأَنَّهُ قَبضه لغَرَض نَفسه فَلَا يقبل كالمستعير وَقَول الشَّيْخ إِلَّا بِالتَّعَدِّي بِأَن يتَصَرَّف فِيهِ تَصرفا هُوَ مَمْنُوع مِنْهُ وأنواع التَّعَدِّي كَثِيرَة وَهِي مَذْكُورَة فِي الْوَدِيعَة وَمن جُمْلَتهَا الِانْتِفَاع بالمرهون بِأَن كَانَت دَابَّة فركبها أَو حمل عَلَيْهَا أَو آنِية فاستعملها وَنَحْو ذَلِك وَالله أعلم قَالَ

(وَإِذا قضى بعض الْحق لم يخرج شَيْء من الرَّهْن حَتَّى يقْضِي جَمِيعه)

جَمِيع الْعين الْمَرْهُونَة وَثِيقَة بِكُل الدّين وَبِكُل جُزْء مِنْهُ فَلَا يَنْفَكّ حَتَّى يقْضِي جَمِيع الدّين وَفَاء بِمُقْتَضى الرَّهْن كَالْمكَاتبِ لَا يعْتق إِلَّا بأَدَاء جَمِيع نُجُوم الْكِتَابَة وَادّعى ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على ذَلِك وَالله أعلم

(فرع) يَصح رهن الْمشَاع من الشَّرِيك وَغَيره وَقَبضه بِقَبض جَمِيعه كَالْبيع وَيجوز أَن يستعير شَيْئا ليرهنه بِدِينِهِ لِأَن الرَّهْن وَثِيقَة فَيجوز بِمَا لَا يملكهُ كالضمان فَإِذا لزم الرَّهْن فَلَا رُجُوع للْمَالِك وَلَو أذن الرَّاهِن للْمُرْتَهن فِي بيع الْمَرْهُون وَاسْتِيفَاء الْحق فَإِن بَاعه بِحَضْرَة الرَّاهِن صَحَّ وَإِلَّا فَلَا لِأَن بَيْعه لغَرَض نَفسه فاتهم فِي بيعَته لغيبته فَلَو قدر الثّمن انْتَفَت التُّهْمَة وَلَو شَرط كَون

الْمَرْهُون مَبِيعًا للْمُرْتَهن عِنْد حُلُول الدّين فسد عقد الرَّهْن لتأقيته وَلَا يَصح البيع لتعليقه وَلَو أتلف الْمَرْهُون وَقبض بدله صَار رهنا مَكَانا لِأَنَّهُ بدله وَيجْعَل فِي يَد من كَانَ الأَصْل فِيهِ يَده والخصم فِي دَعْوَى التّلف الرَّاهِن لِأَنَّهُ الْمَالِك وَلَو قَالَ الرَّاهِن زِدْنِي دينا وأرهن الْعين الْمَرْهُونَة على الدينَيْنِ لم يَصح على الرَّاجِح وطريقته أَن يفك الرَّهْن ويرهن بالدينين وَلَو اخْتلفَا فِي أصل الرَّهْن أَو فِي قدره بِأَن قَالَ رهنتني هذَيْن الشَّيْئَيْنِ فَقَالَ لَا بل أَحدهمَا صدق الرَّاهِن وَلَو اخْتلفَا فِي قبض الْمَرْهُون فَإِن كَانَ فِي يَد الرَّاهِن فَهُوَ الْمُصدق وَإِن كَانَ فِي يَد الْمُرْتَهن صدق وَإِن ادّعى الرَّاهِن أَنه غصبه وَلم يَأْذَن لَهُ فِي الْقَبْض فَالْقَوْل قَول الرَّاهِن لِأَن الأَصْل عدم الْإِذْن وَعدم اللُّزُوم وَكَذَا لَو قَالَ الرَّاهِن اقبضه عَن جِهَة الْإِجَارَة أَو الْإِعَارَة أَو الْإِيدَاع فَإِنَّهُ الْمُصدق على الْأَصَح الْمَنْصُوص فَلَو قَالَ الرَّاهِن نعم أَذِنت لَك فِي الْقَبْض وَلَكِن رجعت قبل قبضك فَالْقَوْل قَول الْمُرْتَهن وَلَو أقرّ الرَّاهِن بِأَنَّهُ أقرّ بِقَبْضِهِ ثمَّ قَالَ لم يكن إقراري عَن حَقِيقَته فَلهُ تَحْلِيف الْمُرْتَهن على مَا يَدعِيهِ لِكَثْرَة دوران ذَلِك بَين النَّاس وَلَو أذن الْمُرْتَهن فِي بيع الْمَرْهُون فَبيع وَرجع عَن الْإِذْن وَقَالَ رجعت قبل البيع وَقَالَ الرَّاهِن بعده فَالْأَصَحّ تَصْدِيق الْمُرْتَهن فَلَو أنكر الرَّاهِن أصل الرُّجُوع فَالْقَوْل قَوْله وَمن عَلَيْهِ دينان بِأَحَدِهِمَا رهن فَأدى أحد الدينَيْنِ وَقَالَ أديته عَن دين الرَّهْن فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه لِأَنَّهُ أعرف بنيته وَالصَّحِيح أَن تعلق الدّين بِالتَّرِكَةِ لَا يمْنَع الْإِرْث فَتكون الزَّوَائِد من التَّرِكَة للْوَارِث وَلَا يتَعَلَّق بهَا الدّين وَالله أعلم قَالَ