بَاب الرِّبَا فصل وَيحرم الرِّبَا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة والمطعومات وَلَا يجوز بيع الذَّهَب بِالذَّهَب وَلَا الْفضة بِالْفِضَّةِ إِلَّا متماثلاً نَقْدا
الرِّبَا بِالْقصرِ وَهُوَ فِي اللُّغَة الزِّيَادَة وَفِي الشَّرْع هُوَ الزِّيَادَة فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة وَسَائِر المطعومات قَالَه ابْن الرّفْعَة فِي الْكِفَايَة وَفِيه نظر وَقَالَ فِي الْمطلب هُوَ أَخذ مَال مَخْصُوص بِغَيْر مَال وَفِيه نظر أَيْضا
وَهُوَ حرَام بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة لقَوْله تَعَالَى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام
(لعن الله آكل الرِّبَا وموكله وَشَاهده وكاتبه) ثمَّ الرِّبَا لَا يحرم إِلَّا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة والمطعومات قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(لَا تَبِيعُوا الذَّهَب بِالذَّهَب وَلَا الْوَرق بالورق وَلَا الْبر بِالْبرِّ وَلَا الشّعير بِالشَّعِيرِ وَلَا التَّمْر بِالتَّمْرِ وَلَا الْملح بالملح إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء عينا بِعَين يدا بيد وَلَكِن بيعوا الذَّهَب بالورق وَالْوَرق بِالذَّهَب وَالْبر بِالشَّعِيرِ وَالشعِير بِالْبرِّ وَالتَّمْر بالملح وَالْملح بِالتَّمْرِ كَيفَ شِئْتُم فَمن زَاد أَو اسْتَزَادَ فقد أربى) فَدلَّ الحَدِيث على مَا ذكره الشَّيْخ فِي بيع الذَّهَب بِالذَّهَب وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ من اشْتِرَاط التَّمَاثُل والحلول وَالْقَبْض فِي الْمجْلس وكما تشرط هَذِه الثَّلَاثَة فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة كَذَلِك تشْتَرط فِي المتماثلات من الْأَطْعِمَة فَيشْتَرط فِي بيع الْقَمْح بالقمح وَنَحْوه التَّمَاثُل كمد بِمد والحلول لَا يجوز التَّأْجِيل والتقابض فِي الْمجْلس وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا بيع مَا ابتاعه حَتَّى يقبضهُ)
تَقْدِير الْكَلَام وَلَا يجوز بيع الَّذِي ابتاعه حَتَّى يقبضهُ سَوَاء كَانَ عقارا أَو غَيره أذن فِيهِ البَائِع أم لَا وَسَوَاء أعطي المُشْتَرِي الثّمن أم لَا وَحجَّة ذَلِك مَا روى حَكِيم بِمَ حزَام بالزاي المنقوطة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قلت يَا رَسُول الله إِنِّي أبتاع هَذِه الْبيُوع فَمَا يحل لي وَمَا يحرم عَليّ قَالَ يَا ابْن أخي
(لَا تبيعنن شَيْئا حَتَّى تقبضه وَفِيه أَحَادِيث آخر وَذكر
الْعلمَاء لَهُ علتين إِحْدَاهمَا ضعف الْملك بِدَلِيل أَن البيع يَنْفَسِخ بِتَلف الْمَبِيع الْعلَّة الثَّانِيَة توالي الضمانين على شَيْء وَاحِد فِي زمن وَاحِد فَإِنَّهُ لَو صَحَّ بَيْعه لَكَانَ مَضْمُونا للْمُشْتَرِي ومضموناً عَلَيْهِ وَيلْزمهُ أَيْضا أَن يكون الْمَبِيع مَمْلُوكا للشخصين فِي زمن وَاحِد كَذَا قَالُوهُ وَلَا فرق بَين بَيْعه لغير البَائِع أَو للْبَائِع لعُمُوم الْخَبَر وكما لَا يجوز بيع الْمَبِيع قبل قَبضه لَا يجوز غَيره من الْمُعَاوَضَات كجعله صَدَاقا أَو أُجْرَة أَو رَأس مَال سلم أَو صلح وَكَذَا لَا يجوز هِبته وإجارته وَرَهنه نعم يَصح إِعْتَاقه على الْأَصَح لقُوَّة الْعتْق وَكَذَا الِاسْتِيلَاد وَأما وَقفه قَالَ الْمُتَوَلِي إِن اشترطنا فِيهِ الْقبُول فَهُوَ كَالْبيع وَإِلَّا فَهُوَ كَالْعِتْقِ وَصحح النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب أَنه كالإعتاق وتزويج الْأمة كَالْعِتْقِ وَقَالَ ابْن خيران يجوز قَضَاء الدّين بِهِ وَاعْلَم أَن الثّمن كَالْمَبِيعِ فَلَا يَبِيعهُ البَائِع قبل قَبضه وَبَقِيَّة مَا ذَكرْنَاهُ يعلم مِمَّا تقدم وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا يجوز بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ)
يحرم بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ من جنسه لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام
(نهى عَن أَن تبَاع الشَّاة بِاللَّحْمِ) وَقيل يجوز وَإِن كَانَ من غير جنسه فَإِن كَانَ من مَأْكُول فَقَوْلَانِ الْأَظْهر أَنه لَا يجوز أَيْضا لعُمُوم الْخَبَر وَقيل يجوز قِيَاسا على بيع اللَّحْم بِاللَّحْمِ وَإِن كَانَ غير مَأْكُول فَفِيهِ خلاف أَيْضا وَالرَّاجِح التَّحْرِيم لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام نهي عَن بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد لكنه مُرْسل والمرسل مَقْبُول عِنْد الشَّافِعِي إِذا اعتضد بِأحد سَبْعَة أَشْيَاء إِمَّا بِالْقِيَاسِ أَو قَول صَحَابِيّ أَو فعله أَو قَول الْأَكْثَرين أَو ينتشر من غير دَافع أَو يعْمل بِهِ أهل الْعَصْر أَولا تُوجد دلَالَة سواهُ أَو بمرسل آخر أَو مُسْند وَقد أسْندهُ التِّرْمِذِيّ وَالْبَزَّار وَلَا فرق فِي ذَلِك الْمسند بَين أَن يكون صَحِيحا أم لَا وَقيل يجوز لِأَن التَّحْرِيم فِي الْمَأْكُول لأجل بيع مَال الرِّبَا بِأَصْلِهِ الْمُشْتَمل عَلَيْهِ وَلم يُوجد هُنَا وَمن هَذَا الْمَعْنى استنبط تَحْرِيم بيع الْحِنْطَة بدقيقها والسمسم بِكَسْبِهِ وَنَحْو ذَلِك وَفِي إِلْحَاق الشَّحْم والآلية وَالْقلب والكلية والرئة بالحم وَجْهَان أصَحهمَا نعم وَيُؤْخَذ من كَلَام الشَّيْخ أَنه يجوز بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ سَوَاء كَانَ من جنسه أم لَا وَسَوَاء تَسَاويا كبعير بِبَعِير أَو تفاضلا كَبيع بَعِيرَيْنِ بِبَعِير وَهُوَ كَذَلِك وَهَذَا إِذا لم يشْتَمل الْحَيَوَان على مَا فِيهِ الرِّبَا كشاة فِي ضرْعهَا لبن إِذا بِيعَتْ بِشَاة لَيْسَ فِي ضرْعهَا لبن فِي جَوَاز ذَلِك وَجْهَان أرجحهما التَّحْرِيم وَلَو بَاعَ بدجاجة فِيهَا بيض فَهُوَ كَبيع الشَّاة بِالشَّاة وَفِي ضرْعهَا لبن وَجزم القَاضِي أَبُو الطّيب بِالْمَنْعِ فِي الدَّجَاجَة وَالله أعلم قَالَ
(وَيجوز بيع الذَّهَب بِالْفِضَّةِ مُتَفَاضلا نَقْدا وَكَذَا المطعومات لَا يجوز بيع الْجِنْس مِنْهَا بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا وَيجوز بيع الْجِنْس مِنْهَا بِغَيْرِهِ مُتَفَاضلا نَقْدا)
إِذا اشْتَمَل عقد البيع على شَيْئَيْنِ نظر فَإِن اتحدا فِي الْجِنْس وَالْعلَّة كالذهب بِالذَّهَب وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ وَالْبر بِالْبرِّ وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ اشْترط لصِحَّة العقد وَخُرُوجه عَن كَونه رَبًّا ثَلَاثَة أُمُور التَّمَاثُل والحلول والتقايض الْحَقِيقِيّ فِي الْمجْلس فَلَو اخْتَلَّ وَاحِد مِنْهُمَا بَطل العقد فَلَو بَاعَ درهما بدرهم ودانق حرم وَيُسمى هَذَا رَبًّا الْفضل قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(لَا تَبِيعُوا الذَّهَب بِالذَّهَب وَلَا الْوَرق بالورق إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء) وَالْعلَّة كَونهمَا قيم الْأَشْيَاء غَالِبا وَكَذَا المطعوم فَلَا يجوز بيع مد قَمح وحفنة لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام
(الطَّعَام بِالطَّعَامِ مثلا بِمثل) وَالْعلَّة فِي ذَلِك الطّعْم وَإِن اخْتلف الْجِنْس وَلَكِن اتّحدت عِلّة الرِّبَا كالذهب وَالْفِضَّة وَالْحِنْطَة وَالشعِير جَازَ التَّفَاضُل وَاشْترط الْحُلُول والتقايض لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام
(إِذا اخْتلفت هَذِه الْأَصْنَاف فبيعوا كَيفَ شِئْتُم إِذا كَانَ يدا بيد) وَإِن اخْتلف الْجِنْس وَالْعلَّة كالفضة وَالْبر فَلَا حجر فِي شَيْء وَلَا يشْتَرط شَيْء من هَذِه الْأُمُور ثمَّ الْمُمَاثلَة تعْتَبر فِي الْمكيل كَيْلا وَفِي الْمَوْزُون وزنا لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(لَا تَبِيعُوا الذَّهَب بِالذَّهَب وَلَا الْوَرق بالورق إِلَّا وزنا بِوَزْن) وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(مَا وزن مثل بِمثل إِذا كَانَ نوعا وَاحِدًا وَمَا كيل فَمثل ذَلِك فَإِذا اخْتلف النوعان فَلَا بَأْس) فَلَو بَاعَ الْمكيل بِالْوَزْنِ أَو عَكسه لم يَصح وَالْمرَاد بِالْكَيْلِ المتماثل سَوَاء كَانَ مُعْتَادا أَو غير مُعْتَاد كقصعة غير معيرة وَكَذَا الْمِيزَان كالطيار والقبان وَغَيرهمَا فَلَو جهلنا كَونه مَكِيلًا أَو مَوْزُونا فَفِيهِ أوجه الصَّحِيح الرُّجُوع فِيهِ إِلَى عَادَة الْبَلَد لِأَن الشَّيْء إِذا لم يكن محدوداً فِي الشَّرْع كَانَ الرُّجُوع فِيهِ إِلَى الْعَادة كالقبوض والحروز وَغَيرهمَا وَقيل يعْتَبر الْكَيْل لِأَنَّهُ أَعم وَقيل الْوَزْن لِأَنَّهُ أقل تَفَاوتا وَقيل بالتخيير للتساوي
(فرع) الْفُلُوس إِذا راجت رواج الذَّهَب وَالْفِضَّة هَل يجْرِي فِيهَا الرِّبَا الصَّحِيح أَنه لَا رَبًّا فِيهَا لانْتِفَاء الثمنية الْغَالِبَة فِيهَا وَلَا يتَعَدَّى الرِّبَا إِلَى غير الْفُلُوس من الْحَدِيد والنحاس والرصاص وَغَيرهمَا بِلَا خلاف وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا يجوز بيع الْغرَر)
الأَصْل فِي ذَلِك أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام
(نهى عَن بيع الْغرَر) وَالْغرر مَا انطوى عَنَّا عاقبته ثمَّ الْغرَر تَحْتَهُ صور لَا تكَاد تَنْحَصِر فَنَذْكُر نبذة مِنْهَا لتعرف بهَا غَيرهَا فَمن ذَلِك بيع الْبَعِير الناد وَكَذَا الجاموس المتوحش وَالْعَبْد الْمُنْقَطع الْخَبَر والسمك فِي المَاء الْكثير وكبيع الثَّمَرَة الَّتِي لم تخلق وَالزَّرْع فِي سنبله وَكَذَا بيع اللَّحْم قبل سلخ الْجلد وَكَذَا بيع الْقطن فِي جوزه بَاطِل وَإِن كَانَ بعد التشقق فِي جوزه وَإِن كَانَ على الأَرْض عِنْد أبي حَامِد وَكَذَا لَا يَصح بيع اللَّبن فِي الضَّرع لِأَنَّهُ مَجْهُول الْمِقْدَار لاخْتِلَاف الضَّرع رقة وغلظاً وَكَذَا لَا يجوز بيع الْحمل فِي الْبَطن وَكَذَا لَا يَصح بيع الْمسك فِي الْفَأْرَة قبل فتقها فَلَو فتح رَأسهَا وَرَأى الْمسك قَالَ الْمَاوَرْدِيّ يَصح جزَافا وبالوزن وَقَالَ الْمُتَوَلِي إِن لم يتَفَاوَت ثخن الْفَأْرَة وَرَأى جوانبها صَحَّ وَإِلَّا فَلَا وَالَّذِي صدر بِهِ الرَّافِعِيّ أَن بيع الْمسك فِي الْفَأْرَة بَاطِل مُطلقًا سَوَاء بيع مَعهَا أَو بِدُونِهَا وَسَوَاء فتح رَأسهَا أم لَا وَتَبعهُ النَّوَوِيّ على ذَلِك وَشبهه بِاللَّحْمِ فِي الْجلد قَالَ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَته قَالَ أَصْحَابنَا لَو بَاعَ السّمك الْمُخْتَلط بِغَيْرِهِ لم يَصح لِأَن المقصودمجهول كَمَا لَا يَصح بيع اللَّبن الْمَخْلُوط بِالْمَاءِ وَالله أعلم
وكما يضر الْجَهْل بِالْمَبِيعِ كَذَا يضر الْجَهْل بِقدر الثّمن وبالمثمن إِذا كَانَ فِي الْبَلَد نقدان فَأكْثر وَهِي رائجة وَيُقَاس بِمَا ذكرنَا بَاقِي صور الْغرَر وَالله أعلم قَالَ