(فصل وَالَّذِي يُوجب الْغسْل سِتَّة أَشْيَاء تشترك فِيهَا الرِّجَال وَالنِّسَاء وَهِي التقاء الختانين وإنزال الْمَنِيّ وَالْمَوْت)
الْغسْل بِفَتْح الْغَيْن وَضمّهَا قَالَه النَّوَوِيّ فِي التَّحْرِير وَقَالَ الْجَوْهَرِي هُوَ بِالْفَتْح اسْم للْفِعْل وبالضم اسْم للدلك وَالله أعلم وَأما الْوضُوء بِفَتْح الْوَاو فاسم للْمَاء وَبِضَمِّهَا اسْم للْفِعْل على الْأَكْثَر إِذا عرفت هَذَا فللغسل أَسبَاب مِنْهَا التقاء الختانين ويعبر عَنهُ أَيْضا بِالْجِمَاعِ وَهُوَ عبارَة عَن تغييب الْحَشَفَة أَو قدرهَا فِي أَي فرج كَانَ سَوَاء غيب فِي قبل امْرَأَة أَو بَهِيمَة أَو دبرهما أَو دبر رجل صَغِير أَو كَبِير حَيّ أَو ميت وَيجب أَيْضا على الْمَرْأَة بِأَيّ ذكر دخل فِي فرجهَا حَتَّى ذكر الْبَهِيمَة وَالْمَيِّت وَالصَّبِيّ وعَلى الذّكر المولج فِي دبره وَلَا يجب إِعَادَة غسل الْمَيِّت المولج فِيهِ على الْأَصَح وَيصير الصَّبِي وَالْمَجْنُون المولج فيهمَا جنبين بِلَا خلاف فَإِن اغْتسل الصَّبِي وَهُوَ مُمَيّز صَحَّ غسله
وَلَا يجب عَلَيْهِ إِعَادَته إِذا بلغ وعَلى الْوَلِيّ أَن يَأْمر الصَّبِي الْمُمَيز بِالْغسْلِ فِي الْحَال كَمَا يَأْمُرهُ بِالْوضُوءِ ثمَّ لَا فرق فِي ذَلِك بَين أَن ينزل مِنْهُ مني أم لَا وَالْأَصْل فِي ذَلِك حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ
(إِذا التقى الختانان أَو مس الْخِتَان الْخِتَان وَجب الْغسْل فعلته أَنا وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاغتسلنا) وَالْمرَاد بالإلتقاء التحاذي لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر تصادمهما لِأَن ختان الْمَرْأَة أَعلَى من مدْخل الذّكر وَيُقَال التقى الفارسان إِذا تحاذيا
وَمِنْهَا إِنْزَال الْمَنِيّ فَمَتَى خرج الْمَنِيّ وَجب الْغسْل سَوَاء خرج من الْمخْرج الْمُعْتَاد أَو من ثقبه فِي الصلب أَو الخصية على الْمَذْهَب وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(إِنَّمَا المَاء من المَاء) وَسَوَاء خرج فِي الْيَقَظَة أَو النّوم وَسَوَاء كَانَ بِشَهْوَة أَو غَيرهَا لإِطْلَاق الْخَبَر ثمَّ للمني ثَلَاث خَواص يتَمَيَّز بهَا عَن الْمَذْي والودي أَحدهَا لَهُ رَائِحَة كرائحة الْعَجِين والطلع مَا دَامَ رطبا فإذاجف أشبهت رائحتة رَائِحَة الْبيض الثَّانِيَة التدفق دفعات قَالَ الله تَعَالَى {من مَاء دافق} الثَّالِثَة التَّلَذُّذ بِخُرُوجِهِ واستعقابه فتور الذّكر وانكسار الشَّهْوَة وَلَا يشْتَرط اجْتِمَاع الْخَواص بل تَكْفِي وَاحِدَة فِي كَونه منياً بِلَا خلاف وَالْمَرْأَة كَالرّجلِ فِي ذَلِك على الرَّاجِح وَالرَّوْضَة وَقَالَ فِي شرح مُسلم لَا يشْتَرط التدفق فِي حَقّهَا وَتبع فِيهِ ابْن الصّلاح
(فرع) لَو تنبه من نَومه فَلم يجد إِلَّا الثخانة وَالْبَيَاض فَلَا غسل لِأَن الودي شَارك الْمَنِيّ فِي الثخانة وَالْبَيَاض بل يتَخَيَّر بَين جعله ودياً أَو منياً على الْمَذْهَب وَلَو اغْتسل ثمَّ خرجت مِنْهُ بَقِيَّة وَجب الْغسْل ثَانِيًا بِلَا خلاف سَوَاء خرجت قبل الْبَوْل أَو بعده وَلَو رأى الْمَنِيّ فِي ثَوْبه أَو فِي فرَاش لَا ينَام فِيهِ غَيره وَلم يذكر احتلاماً لزمَه الْغسْل على الصَّحِيح الْمَنْصُوص الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ لهَذَا إِذا كَانَ الْمَنِيّ فِي بَاطِن الثَّوْب فَإِن كَانَ فِي ظَاهره فَلَا غسل عَلَيْهِ لاحْتِمَال إِصَابَته من غَيره وَلَو أحس بانتقال الْمَنِيّ ونزوله فَأمْسك ذكره فَلم يخرج مِنْهُ شَيْء فِي الْحَال وَلَا علم خُرُوجه بعده فَلَا غسل عَلَيْهِ وَالله أعلم وَمِنْهَا الْمَوْت وَهُوَ يجب الْغسْل لما رُوِيَ
(عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي الْمحرم الَّذِي وقصته نَاقَته اغسلوه بِمَاء وَسدر) وَظَاهره الْوُجُوب والوقص كسر الْعُنُق قَالَ
(وَثَلَاثَة تخْتَص بهَا النِّسَاء وَهِي الْحيض وَالنّفاس والولادة)
من الْأَسْبَاب الْمُوجبَة للْغسْل الْحيض قَالَ الله تَعَالَى {وَلَا تقربوهن حَتَّى يطهرن فَإِذا تطهرن فاتوهن من حَيْثُ أَمركُم الله} نهى عَن قربانهن إِلَى الْغَايَة وَعَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ
(إِذا أَقبلت الْحَيْضَة فدعي الصَّلَاة فَإِذا ذهب قدرهَا فاغسلي عَنْك الدَّم وَصلي وَفِي رِوَايَة
(ثمَّ اغْتَسِلِي وَصلي) وَالنّفاس كالحيض فِي ذَلِك وَفِي مُعظم الْأَحْكَام وَمن الْأَسْبَاب الْمُوجبَة للْغسْل الْولادَة وَله عِلَّتَانِ إحدهما أَن الْولادَة وظنة خُرُوج الدَّم وَالْحكم يتَعَلَّق بالمظان أَلا ترى أَن النّوم ينْقض الْوضُوء لِأَنَّهُ مَظَنَّة الْحَدث وَالْعلَّة الثَّانِيَة وَهِي الَّتِي قَالَهَا الْجُمْهُور أَن الْوَلَد مني مُنْعَقد وَتظهر فَائِدَة الْخلاف فِيمَا إِذا ولدت ولدا وَلم تَرَ بللاً فعلى الأول لَا يجب الْغسْل وعَلى الْعلَّة الثَّانِيَة وَهُوَ أَنه مني مُنْعَقد يجب الْغسْل وَهُوَ الرَّاجِح وَكَذَا يجب الْغسْل بِوَضْع الْعلقَة والمضغة على الرَّاجِح وَمِنْهُم من قطع بِالْوُجُوب بِوَضْع المضغة وَالله أعلم قَالَ